فيريد به: أنّ المعارف التي تحصل لصاحب هذه الدّرجة هي من الشُّهود الخارق لحجاب العلم، فإنّ العلم حجابٌ عن الشُّهود١، ففي هذه الدّرجة يرتفع الحجاب، ويفضي إلى المعلوم٢، بحيث يكافح قلبه وبصيرته مكافحةً.
فصل
قال٣: (الدّرجة الثّالثة: حقُّ اليقين. وهو إسفار صبح الكشف، ثمّ الخلاص من كُلْفة اليقين، ثمّ الفناء في حقِّ اليقين).
الحق أنّ هذه الدّرجة لا تُنال في هذا العالم إلّا للرُّسل صلوات الله وسلامه عليهم. فإنّ نبيّنا ﷺ رأى بعينيه الجنّة والنّار، وموسى سمع كلام الله منه إليه بلا واسطةٍ فكلَّمه تكليمًا، وتجلّى للجبل وموسى ينظر، فجعله دكًّا هشيمًا.
نعم يحصل لنا حقُّ اليقين في مرتبةٍ، وهي ذوقُ ما أخبر به الرّسول من حقائق الإيمان المتعلِّقة بالقلوب وأعمالها، فإنّ القلب إذا باشرَها وذاقها صارت في حقِّه حقَّ يقينٍ.
وأمّا في أمور٤ الآخرة والمعاد، ورؤية الله جهرةً عيانًا، وسماع كلامه
(١) ش، د: «المشهود».
(٢) ل: «العلوم».
(٣) «المنازل» (ص ٥٤).
(٤) ل: «أمر».
حقيقةً بلا واسطةٍ= فحظُّ المؤمن منه في هذه الدّار الإيمانُ وعلم اليقين. وحقُّ اليقين يتأخّر إلى وقت اللِّقاء.
ولكن لمّا كان السّالك عنده ينتهي إلى الفناء، ويتحقَّق شهودَ الحقيقة، ويصل إلى عين الجمع، قال: «حقُّ اليقين هو إسفار صبح الكشف».
يعني: تحقُّقه وثبوته، وغلبة نوره على ظلمة ليل الحجاب، فينتقل من طور العلم إلى الاستغراق في الشُّهود بالفناء عن الرّسم بالكلِّيّة.
وقوله: «ثمّ الخلاص من كُلفة اليقين».
يعني: أنّ اليقين له حقوقٌ يجب على صاحبه أن يؤدِّيها ويقوم بها، ويتحمّل كُلَفَها ومشاقَّها. فإذا فني في التّوحيد حصلَ له أمورٌ أخرى رفيعةٌ عاليةٌ جدًّا، يصير فيها محمولًا بعدَ أن كان حاملًا، وطائرًا بعد أن كان سائرًا، فيزول عنه كلفةُ حملِ تلك الحقوق. بل يبقى له كالنّفس، وكالماء للسّمك. وهذا أمرٌ التّحاكمُ١ فيه إلى الذّوق والإحساس، فلا تُسرِعْ إلى إنكاره.
وتأمّلْ حالَ ذلك الصّحابيِّ الذي أخذ تمراتِه، وقعد يأكلها على حاجةٍ وجوعٍ وفاقةٍ إليها، فلمّا عاينَ سوقَ الشّهادة قد قامت ألقى قُوتَه من يده، وقال: إنّها لحياةٌ طويلةٌ، إن بقيتُ حتّى آكلَ هذه التّمرات! وألقاها من يده، وقاتل حتّى قُتِل٢. وكذلك أحوال الصّحابة ﵃ كانت مطابقةً لما أشار إليه.
(١) ش، د: «من التحاكم».
(٢) أخرجه مسلم (١٩٠١) من حديث أنس بن مالك ﵁. والصحابي هو عمير بن الحمام الذي استشهد في بدر، فكان أول قتيل قُتل في سبيل الله في الحرب.