نفسه، وربّما فترت عزيمته. فإن كان له معرفةٌ وعلمٌ زاد في السَّعي والجَمْز بقدر التفاته أو أكثر. فإن أعرض عنه واشتغل بما هو بصدده، وخاف فوت الصّلاة أو الوقت= لم يبلغ عدوُّه منه شيئًا١.
المثل٢ الثّاني: الظَّبيُ أشدُّ سعيًا من الكلب، ولكنّه إذا أحسَّ به التفت إليه فضعُفَ سعيه، فيدركه الكلب، فيأخذه.
والقصد: أنّ في ذكر هذا الرّفيق ما يزيل وحشة التّفرُّد، ويحثُّ على السّير والتّشمير للَّحاق بهم. وهذا٣ أحد الفوائد في دعاء القنوت: "اللهمَّ اهدني فيمن هديت". أي أدخلني في هذه الزُّمرة، واجعلني رفيقًا لهم ومعهم.
والفائدة الثّانية: أنّه توسُّلٌ إلى الله بنعمه وإحسانه إلى مَن أنعم عليه بالهداية. أي قد أنعمتَ بالهداية على مَن هديتَ، وكان ذلك نعمةً منك، فاجعل لي نصيبًا من هذه النِّعمة، واجعلني واحدًا من هؤلاء المنعَم عليهم. فهو توسُّلٌ إلى الله بإحسانه.
والفائدة الثّالثة: كما يقول السّائل للكريم: تصدَّق عليَّ في جملة من تصدَّقتَ عليه، وعلِّمني مِن جملة٤ من علَّمتَه، وأحسِنْ إليَّ في جملة من شمَلتَه بإحسانك٥.
(١) سيأتي هذا المثل بنحوه في منزلة المكاشفة (٣/ ٢١٤).
(٢) ج: "المثال".
(٣) م: "فهذا". وبعده: "أحد الفوائد" كذا في جميع النسخ.
(٤) كذا في جميع النسخ هنا بدلًا من "في جملة".
(٥) وانظر الفوائد الثلاث التي ذكرها المؤلف في "شفاء العليل" (ص ١١١).
فصل
ولمّا كان سؤالُ الهداية إلى الصِّراط المستقيم أجلَّ المطالب، ونيلُه أشرفَ المواهب: علَّم اللهُ عبادَه كيفيّة سؤاله، وأمرَهم أن يقدِّموا١ بين يديه حمده والثّناء عليه وتمجيده، ثمّ ذكر عبوديّتهم وتوحيدهم. فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسُّلٌ إليه بأسمائه وصفاته، وتوسُّلٌ إليه بعبوديّته؛ وهاتان الوسيلتان لا يكاد يُرَدُّ معهما الدُّعاء. وهما الوسيلتان المذكورتان في حديثي الاسم الأعظم اللّذين رواهما ابن حبّان في "صحيحه"، والإمام أحمد والتِّرمذيُّ ﵃.
أحدهما: حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵄ قال: سمع النّبيُّ ﷺ رجلًا يدعو، وهو يقول: اللهمّ إنِّي أسألك بأنِّي أشهد أنّك أنت الله الذي لا إله إلّا أنت، الأحد الصّمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحدٌ. فقال: "والّذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى"٢. قال التِّرمذيُّ: حديثٌ صحيحٌ٣.
فهذا توسُّلٌ إلى الله بتوحيده، وشهادةِ الدّاعي له بالوحدانيّة، وثبوتِ
(١) ق: "يتقدموا".
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٩٥٢، ٢٣٠٤١) وأبو داود (١٤٩٣، ١٤٩٤) والترمذي (٣٤٧٥) والنسائي في "الكبرى" (٧٦١٩) وابن ماجه (٣٨٥٧) وغيرهم. والحديث صححه ابن حبان (٨٩٢) والحاكم (١/ ٥٠٤) والألباني في "أصل صفة صلاة النبي ﷺ " (٣/ ١٠١٦) و"صحيح أبي داود- الأم" (٥/ ٢٢٩).
(٣) في النسخ المطبوعة من "الجامع": "حديث حسن غريب"، وكذلك في "تحفة الأشراف" (٢/ ٩٠).