لكن بقيت نكتةٌ عظيمةٌ، وهي موضع١ السّجدة، وهي أنّ فناءهم لم يكن في توحيدِ الرُّبوبيّة وشهودِ الحقيقة التي يشير إليها أرباب الفناء، بل في توحيد الإلهيّة. ففَنُوا بحبِّه تعالى عن حبِّ ما سواه، وبمراده منهم عن مرادهم وحظوظهم، فلم يكونوا عاملين على فناءٍ ولا استغراقٍ في الشُّهود، بحيث يَفْنَوا٢ به عن مراد محبوبهم منهم، بل قد فَنُوا بمراده عن مرادهم، فهم أهل بقاءٍ، وفرقٍ في جمعٍ، وكثرةٍ في وحدةٍ، وحقيقةٍ كونيّةٍ في حقيقةٍ دينيّةٍ.
هم القومُ لا قومَ إلّا هُمُولولاهُمُ ما اهتدينا السَّبيلا٣
فنسبة أحوالهم إلى أحوالِ من بعدهم الصّحيحة الكاملة: كنسبة ما يَرشَح من الظّرف والقِرْبة إلى ما في داخلها.
وأمّا المنحرفة الفاسدة فسبيلٌ غير سبيلهم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
✽ ✽ ✽
(١) د: «مواضع».
(٢) كذا في الأصول بحذف النون.
(٣) لم أجد البيت في المصادر، ولعله للمؤلف.
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الأنس بالله.
قال صاحب «المنازل» ﵀١: (وهو روحُ القُرب). ولهذا صدَّر منزلته بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾[البقرة: ١٨٦].
فاستحضارُ القلب هذا البرَّ واللُّطف والإحسانَ يُوجِب قربَه من الرّبِّ تعالى، وقربُه منه يوجب له الأنسَ، والأنسُ ثمرة الطّاعة والمحبّة. فكلُّ مطيعٍ مستأنسٌ، وكلُّ عاصٍ مستوحشٌ، كما قيل٢:
فإن كنتَ قد أوحشَتْك الذُّنوبفدَعْها إذا شئتَ واستأنس
والقرب يوجب الأنس والهيبة والمحبّة.
قال صاحب «المنازل» ﵀٣: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: الأنس بالشّواهد، وهو استحلاء٤ الذِّكر، والتّغذِّي بالسّماع، والوقوف على الإشارات).
هذه اللّفظة يُجرونَها٥ في كلامهم ــ أعني لفظة «الشّواهد» ــ ومرادهم
(١) (ص ٥٤).
(٢) أنشده المؤلف في «الداء والدواء» (ص ١٣٣، ١٨٣). وانظر تعليق المحقق عليه.