ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الأنس بالله.
قال صاحب «المنازل» ﵀١: (وهو روحُ القُرب). ولهذا صدَّر منزلته بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾[البقرة: ١٨٦].
فاستحضارُ القلب هذا البرَّ واللُّطف والإحسانَ يُوجِب قربَه من الرّبِّ تعالى، وقربُه منه يوجب له الأنسَ، والأنسُ ثمرة الطّاعة والمحبّة. فكلُّ مطيعٍ مستأنسٌ، وكلُّ عاصٍ مستوحشٌ، كما قيل٢:
فإن كنتَ قد أوحشَتْك الذُّنوبفدَعْها إذا شئتَ واستأنس
والقرب يوجب الأنس والهيبة والمحبّة.
قال صاحب «المنازل» ﵀٣: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: الأنس بالشّواهد، وهو استحلاء٤ الذِّكر، والتّغذِّي بالسّماع، والوقوف على الإشارات).
هذه اللّفظة يُجرونَها٥ في كلامهم ــ أعني لفظة «الشّواهد» ــ ومرادهم
(١) (ص ٥٤).
(٢) أنشده المؤلف في «الداء والدواء» (ص ١٣٣، ١٨٣). وانظر تعليق المحقق عليه.
(٣) (ص ٥٤).
(٤) ل: «استجلاء».
(٥) ش: «بحروفها»، تحريف.
بها أمران:
أحدهما: شواهد الحقيقة. وهي ما يقوم بقلب العبد، حتّى كأنّه يشاهده ويبصره لغلبته عليه، فكلُّ ما يستولي على قلبِ صاحبه ذِكرُه فإنّه شاهده. فمنهم من يكون شاهده العلم، ومنهم من يكون شاهده الذِّكر، ومنهم من يكون شاهده المحبّة، ومنهم من شاهده الخوف. فالمريد يأنَسُ بشاهده، ويستوحش لفقده.
والثّاني: شاهد الحال. وهو الأثر الذي يقوم به، ويظهر عليه من عمله وسلوكه وحاله، فإنّ شاهده لا بدَّ أن يظهر عليه.
ومراد صاحب «المنازل»: الشّاهد الأوّل الذي يأنَس به المريد، وهو الحامل له على استحلاء١ الذِّكر، طلبًا لظَفَره بحصول المذكور، فهو يستأنس بالذِّكر طلبًا لاستئناسه بالمذكور، ويتغذّى بالسّماع كما يتغذّى الجسم بالطّعام والشّراب.
فإن كان محبًّا٢ صادقًا، طالبًا لله، عاملًا على مرضاته= كان غذاؤه بالسّماع القرآنيِّ، الذي كان غذاءَ سادات العارفين من هذه الأمّة، وأبرِّها قلوبًا، وأصحِّها أحوالًا، وهم الصّحابة ﵃.
وإن كان منحرفًا فاسدَ الحال، ملبوسًا عليه، مغرورًا مخدوعًا= كان غذاؤه بالسّماع الشّيطانيِّ، الذي هو قرآن الشّيطان، المشتمل على مَحابِّ النُّفوس ولذّاتها وحظوظها، وأصحابُه أبعدُ الخلق من الله، وأغلظُهم عنه