ولهذا كان الصّحيح من القولين١: أنّ حاسّة السّمع أفضلُ من حاسّة البصر، لشدّة تعلُّقِها بالقلب، وعِظَمِ حاجته إليها، وتوقُّفِ كماله عليها، ووصولِ العلوم إليه بها، وتوقُّفِ الهدى على سلامتها.
ورجحّت طائفةٌ حاسّةَ البصر لكمال مُدرَكِها، وامتناع الكذب فيه، وزوالِ الرّيب والشّكِّ به. ولأنّه عين اليقين، وغاية مُدرَك حاسّةِ السّمع علم اليقين، وعين اليقين أفضل وأكمل من علم اليقين. ولأنّ متعلقها رؤية وجه الرّبِّ ﵎ في دار النّعيم، ولا شيء أعلى وأجلُّ من هذا المتعلّق.
وحكم شيخ الإسلام ابن تيميّة ــ قدَّس الله روحه ــ بين الطّائفتين حكمًا حسنًا. فقال٢: المُدْرَك بحاسّة السّمع أعمُّ وأشمل. والمُدرَك بحاسّة البصر أتمُّ وأكمل. فللسّمع العمومُ والشُّمول والإحاطة بالموجود والمعدوم، والحاضر والغائب، والحسِّيِّ والمعنويِّ، وللبصر: التّمام والكمال.
وإذا عُرِف هذا، فهذه الحواسُّ الخمس لها أشباحٌ وأرواحٌ، وأرواحها حظُّ القلب ونصيبُه منها. فمن ليس لقلبه منها نصيبٌ إلّا كنصيب الحيوانات البهيميّة منها فهو بمنزلتها، وبينه وبينها أوّلُ درجة الإنسانيّة. ولهذا شبّه الله أولئك بالأنعام، بل جعلهم أضلَّ، فقال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ
(١) انظر كلام المؤلف في المفاضلة بين السمع والبصر في «الصواعق المرسلة» (ص ٨٧٣)، و«مفتاح دار السعادة» (١/ ٢٨٨ - ٢٩٢)، والمصادر المذكورة في هامش «المفتاح».
(٢) كما في «بدائع الفوائد» (ص ١٢٦، ١١٠٧). وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٦٨)، و«درء التعارض» (٧/ ٣٢٥)، و«الرد على المنطقيين» (ص ٩٦).
يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان: ٤٤]. ولهذا نفى الله سبحانه عن الكفّار السّمعَ والبصر والعقول، إمّا لعدم انتفاعهم بها فنُزِّلت منزلةَ المعدوم، وإمّا لأنّ النّفي توجّه إلى أسماع قلوبهم وأبصارها وإدراكها. ولهذا يظهر لهم ذلك١ عند انكشاف حقائق الأمور، كقول أهل السّعير: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾[الملك: ١٠].
ومنه في أحد التّأويلين٢ قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾[الأعراف: ١٩٨]. فإنّهم كانوا ينظرون إلى صورة النّبيِّ ﷺ بالحواسِّ الظّاهرة، ولا يبصرون صورةَ نبوّته ومعناه بالحاسّة الباطنة، التي هي بصر القلب.
والقول الثّاني: أنّ الضّمير عائدٌ على الأصنام. ثمّ فيه قولان:
أحدهما: أنّه على التّشبيه، أي كأنّهم ينظرون إليك، ولا أبصارَ لهم يرونك بها.
والثّاني: أنَّ المراد به المقابلة. تقول العرب: داري تنظر دارك، أي تُقابِلها٣.
وكذلك السّمع ثابتٌ لهم، وبه قامت الحجّة عليهم. ومنتفٍ عنهم، وهو سمع القلب. فإنّهم كانوا يسمعون القرآن من حيث السّمعُ الحسِّيُّ المشترك،
(١) «ذلك» ليست في ش، د.
(٢) انظر القولين في «تفسير الطبري» (١٠/ ٦٣٧، ٦٣٨)، و«تفسير البغوي» (٢/ ٢٢٣)، و«زاد المسير» (٣/ ٣٠٧).
(٣) انظر المصادر السابقة، و«الزاهر» لابن الأنباري (١/ ٣٠٦).