وقد يكون هذا المسموع شديدَ التّأثير في القلب، ولا يشعُر به صاحبه لاشتغاله بغيره، ولمباينة ظاهره لباطنه١ ذلك الوقتَ، فإذا حصل له نوعُ تجرُّدٍ ورياضةٍ ظهرتْ قوّة ذلك التّأثير والتّأثُّر. فكلّما تجرّدت الرُّوح والقلب، وانقطعت عن علائق البدن، كان حظُّهما من ذلك السّماع أوفى، وتأثُّرهما به أقوى.
فإن كان المسموع معنًى شريفًا بصوتٍ لذيذٍ= حصل للقلب حظُّه ونصيبُه من إدراك المعنى، وابتهجَ به أتمَّ ابتهاجٍ على حسب إدراكه له. وللرُّوح حظُّها ونصيبُها من لذّة الصّوت ونغمتِه وحسنِه، فابتهجتْ به، فتتضاعف٢ اللّذّة، ويتمُّ الابتهاج، ويحصل الارتياح، حتّى ربّما فاض على البدن والجوارح وعلى الجليس.
وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم ولا يحصل إلّا عند سماع كلام الله. فإذا تجرّدت الرُّوح، وكانت مستعدّةً، وباشر القلب روح المعنى، وأقبلَ بكلِّيّته على المسموع، فألقى السّمعَ وهو شهيدٌ، وساعده طيب صوت القارئ= كاد القلب يفارقُ هذا العالمَ، ويَلِجُ عالمًا٣ آخر، ويجد له لذّةً وحالًا لا يعهدها في شيءٍ البتّةَ. وذلك رقيقةٌ٤ من حالِ أهل الجنّة في الجنّة. فيا له من غذاءٍ ما أصلَحَه وما أنفَعَه!
(١) ش: «باطنَه».
(٢) ش، د: «فتضاعف».
(٣) ش، د: «عالم».
(٤) أي جزء يسير من نعيم أهل الجنة. انظر تعليق المحقق على «طريق الهجرتين» (١/ ٦٩). وفي بعض النسخ: «دقيقة».
وحرامٌ على قلبٍ قد تربّى على غذاء السّماع الشّيطانيِّ: أن يجد شيئًا من ذلك في سماع القرآن، بل١ إن حصلَ له نوعُ لذّةٍ فهو من قِبَلِ الصّوت المشترك، لا من قِبَلِ المعنى الخاصِّ.
وليس في نعيم أهل الجنّة أعلى من رؤية٢ وجه محبوبهم عيانًا٣، وسماع كلامه منه.
وذكر عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب «السُّنّة»٤ أثرًا لا يحضرني الآن هل هو موقوفٌ أو مرفوعٌ: إذا سمع النّاسُ القرآنَ يومَ القيامة من الرّحمن فكأنّهم لم يسمعوه قبلَ ذلك.
وإذا امتلأ القلب بشيءٍ، وارتفعت المباينة الشّديدة بين الظّاهر والباطن= أدَّتِ الأذن إلى القلب من المسموع ما يناسبه، وإن لم يدلّ عليه ذلك المسموع، ولا قصدَه المتكلِّم. ولا يختصُّ ذلك بالكلام الدّالِّ على معنًى، بل قد يقع في الأصوات المجرّدة.
قال القشيريُّ ﵀٥: سمعت أبا عبد الرحمن السُّلميّ يقول: دخلتُ
(١) ش، د: «بلى».
(٢) ش، د: «رؤيتهم».
(٣) ش، د: «عاليا».
(٤) رقم (١٠٤) موقوفًا على محمد بن كعب القرظي. وانظر: «السنة» للخلال (١٩١٦، ١٩١٧، ٢٠٧٦)، و«إبطال التأويلات» لأبي يعلى (٣٦٣)، و«صفة الجنة» لأبي نعيم (٢٧٠)، و«البداية» لابن كثير (١٠/ ٥٦٢). ويُروى عن أبي هريرة مرفوعًا، كما في «إبطال التأويلات» (٣٦٤)، وإسناده ضعيف.