مدارج السالكين

وحرامٌ على قلبٍ قد تربّى على غذاء السّماع الشّيطانيِّ: أن يجد شيئًا من ذلك في سماع القرآن، بل١ إن حصلَ له نوعُ لذّةٍ فهو من قِبَلِ الصّوت المشترك، لا من قِبَلِ المعنى الخاصِّ.

وليس في نعيم أهل الجنّة أعلى من رؤية٢ وجه محبوبهم عيانًا٣، وسماع كلامه منه.

وذكر عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب «السُّنّة»٤ أثرًا لا يحضرني الآن هل هو موقوفٌ أو مرفوعٌ: إذا سمع النّاسُ القرآنَ يومَ القيامة من الرّحمن فكأنّهم لم يسمعوه قبلَ ذلك.

وإذا امتلأ القلب بشيءٍ، وارتفعت المباينة الشّديدة بين الظّاهر والباطن= أدَّتِ الأذن إلى القلب من المسموع ما يناسبه، وإن لم يدلّ عليه ذلك المسموع، ولا قصدَه المتكلِّم. ولا يختصُّ ذلك بالكلام الدّالِّ على معنًى، بل قد يقع في الأصوات المجرّدة.

قال القشيريُّ ﵀٥: سمعت أبا عبد الرحمن السُّلميّ يقول: دخلتُ

  1. (١) ش، د: «بلى».
  2. (٢) ش، د: «رؤيتهم».
  3. (٣) ش، د: «عاليا».
  4. (٤) رقم (١٠٤) موقوفًا على محمد بن كعب القرظي. وانظر: «السنة» للخلال (١٩١٦، ١٩١٧، ٢٠٧٦)، و«إبطال التأويلات» لأبي يعلى (٣٦٣)، و«صفة الجنة» لأبي نعيم (٢٧٠)، و«البداية» لابن كثير (١٠/ ٥٦٢). ويُروى عن أبي هريرة مرفوعًا، كما في «إبطال التأويلات» (٣٦٤)، وإسناده ضعيف.
  5. (٥) «الرسالة القشيرية» (ص ٦٩٤).
192

على أبي عثمان المغربيِّ ورجلٌ يستقي لنا من البئر على بَكرةٍ، فقال: يا أبا عبد الرّحمن، أتدري أيشٍ تقول هذه البكرةُ؟ فقلت: لا، فقال: تقول: الله الله.

ومثل ذلك كثيرٌ. كما سمع أبو سليمان١ الدِّمشقيُّ من المنادي: يا سَعْتَر برِّي: اسْعَ تَرَى بِرِّي٢.

وهذا السّماع الرّوحانيُّ تبعٌ لحقيقة القلب ومادّته منه، فلاتحادِه به يظنُّ السّامع: أنّه أدرك ذلك المعنى لا محالةَ من الصّوت الخارجيِّ، وسبب ذلك اتِّحاد السّمع بالقلب.

وأكملُ السّماع: سماع من يسمع بالله ما هو مسموعٌ من الله، وهو كلامه. وهو سماع المحبِّين المحبوبين، كما في الحديث الذي في «صحيح البخاريِّ»٣ عن رسول الله ﷺ فيما يَروي عن ربِّه ﵎ أنّه قال: «ما تقرَّبَ إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ٤ عليه. ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمْعَه الذي يسمع به، وبصَرَه الذي

  1. (١) كذا في الأصول. وفي «اللمع» و«الرسالة القشيرية» و«لسان الميزان» (٩/ ٥٣): «أبو حُلمان»، وفي «تاريخ دمشق» (٦٦/ ١٥٤): «أبو حلخان». وفي «الاستقامة» (١/ ٣٩٠): «ابن حلوان».
  2. (٢) الخبر في «اللمع» (ص ٢٨٩)، و«الرسالة القشيرية» (ص ٦٩٢)، و«إحياء علوم الدين» (٢/ ٢٨٢)، و«تاريخ دمشق» (٦٦/ ١٥٤). وسعتر (أو صعتر أو زعتر): نبات طيب الرائحة، يجفّف وتُخلط معه بعض التوابل والسمسم، ويؤكل مع الزيت، وزهره أبيض يميل إلى الغبرة.
  3. (٣) رقم (٦٥٠٢) وقد تقدَّم.
  4. (٤) ش: «فرضت».
193

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي