مدارج السالكين

على أبي عثمان المغربيِّ ورجلٌ يستقي لنا من البئر على بَكرةٍ، فقال: يا أبا عبد الرّحمن، أتدري أيشٍ تقول هذه البكرةُ؟ فقلت: لا، فقال: تقول: الله الله.

ومثل ذلك كثيرٌ. كما سمع أبو سليمان١ الدِّمشقيُّ من المنادي: يا سَعْتَر برِّي: اسْعَ تَرَى بِرِّي٢.

وهذا السّماع الرّوحانيُّ تبعٌ لحقيقة القلب ومادّته منه، فلاتحادِه به يظنُّ السّامع: أنّه أدرك ذلك المعنى لا محالةَ من الصّوت الخارجيِّ، وسبب ذلك اتِّحاد السّمع بالقلب.

وأكملُ السّماع: سماع من يسمع بالله ما هو مسموعٌ من الله، وهو كلامه. وهو سماع المحبِّين المحبوبين، كما في الحديث الذي في «صحيح البخاريِّ»٣ عن رسول الله ﷺ فيما يَروي عن ربِّه ﵎ أنّه قال: «ما تقرَّبَ إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ٤ عليه. ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمْعَه الذي يسمع به، وبصَرَه الذي

  1. (١) كذا في الأصول. وفي «اللمع» و«الرسالة القشيرية» و«لسان الميزان» (٩/ ٥٣): «أبو حُلمان»، وفي «تاريخ دمشق» (٦٦/ ١٥٤): «أبو حلخان». وفي «الاستقامة» (١/ ٣٩٠): «ابن حلوان».
  2. (٢) الخبر في «اللمع» (ص ٢٨٩)، و«الرسالة القشيرية» (ص ٦٩٢)، و«إحياء علوم الدين» (٢/ ٢٨٢)، و«تاريخ دمشق» (٦٦/ ١٥٤). وسعتر (أو صعتر أو زعتر): نبات طيب الرائحة، يجفّف وتُخلط معه بعض التوابل والسمسم، ويؤكل مع الزيت، وزهره أبيض يميل إلى الغبرة.
  3. (٣) رقم (٦٥٠٢) وقد تقدَّم.
  4. (٤) ش: «فرضت».
193

يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورِجْلَه التي يمشي بها. فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش١، وبي يمشي».

والقلب يتأثّر بالسّماع بحسب ما فيه من المحبّة، فإذا امتلأ من محبّة الله وسمع كلام محبوبه به ــ أي بمصاحبته وحضوره في قلبه ــ فله من سماعه هذا شأنٌ، ولغيره شأنٌ آخر.

فصل

والثّاني٢ على ثلاثة أقسامٍ:

أحدهم: من اتّصف قلبه بصفات نفسه، بحيث صار قلبه نفسًا محضةً، فغلبتْ عليه آفاتُ الشّهوات ودَواعي الهوى. فهذا حظُّه من السّماع كحظِّ البهائم لا تَسمع إلّا دعاءً ونداءً، والفرق الذي بينها وبينه غير طائلٍ.

القسم الثّاني: من اتّصفت٣ نفسُه بصفات قلبه، فصارت نفسه قلبًا محضًا٤، فغلبت٥ عليه المعرفة والمحبّة والعقل واللُّبُّ، وعشِقَ صفاتِ الكمالِ، فاستنارت نفسُه بنور القلب، واطمأنّت إلى ربِّها، وقرّتْ عينُها بعبوديّته، وصار نعيمها في حبِّه وقربه. فهذا حظُّه من السّماع مثل أو قريبٌ من حظِّ الملائكة، وسماعه غذاء قلبه وروحه، وقرّة عينه ونعيمه من الدُّنيا،

  1. (١) «وبي يبطش» ليست في ل.
  2. (٢) يقصد به الغير الذي أشار إليه.
  3. (٣) ش، د: «اتصف».
  4. (٤) ل: «محظا»، خطأ.
  5. (٥) ل: «فقلبت».
194

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي