مدارج السالكين

يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورِجْلَه التي يمشي بها. فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش١، وبي يمشي».

والقلب يتأثّر بالسّماع بحسب ما فيه من المحبّة، فإذا امتلأ من محبّة الله وسمع كلام محبوبه به ــ أي بمصاحبته وحضوره في قلبه ــ فله من سماعه هذا شأنٌ، ولغيره شأنٌ آخر.

فصل

والثّاني٢ على ثلاثة أقسامٍ:

أحدهم: من اتّصف قلبه بصفات نفسه، بحيث صار قلبه نفسًا محضةً، فغلبتْ عليه آفاتُ الشّهوات ودَواعي الهوى. فهذا حظُّه من السّماع كحظِّ البهائم لا تَسمع إلّا دعاءً ونداءً، والفرق الذي بينها وبينه غير طائلٍ.

القسم الثّاني: من اتّصفت٣ نفسُه بصفات قلبه، فصارت نفسه قلبًا محضًا٤، فغلبت٥ عليه المعرفة والمحبّة والعقل واللُّبُّ، وعشِقَ صفاتِ الكمالِ، فاستنارت نفسُه بنور القلب، واطمأنّت إلى ربِّها، وقرّتْ عينُها بعبوديّته، وصار نعيمها في حبِّه وقربه. فهذا حظُّه من السّماع مثل أو قريبٌ من حظِّ الملائكة، وسماعه غذاء قلبه وروحه، وقرّة عينه ونعيمه من الدُّنيا،

  1. (١) «وبي يبطش» ليست في ل.
  2. (٢) يقصد به الغير الذي أشار إليه.
  3. (٣) ش، د: «اتصف».
  4. (٤) ل: «محظا»، خطأ.
  5. (٥) ل: «فقلبت».
194

ورياضه التي سَرَحَ فيها، وحياته التي بها قِوامُه. وإلى هذا المعنى قصد أرباب سماع القصائد والأبيات، ولكن أخطؤوا الطّريقَ، وأخذوا عن الدَّرْب شمالًا ووراءً.

القسم الثّالث: من له منزلةٌ بين المنزلتين، وقلبه باقٍ على فطرته الأولى، ولكن ما تصرّف في نفسه تصرُّفًا أحالها إليه، وأزالَ به رسومها، وجَلَّى عنه ظلمتها، ولا قَوِيت النّفسُ على القلب بإحالته إليها، وتصرّفت فيه تصرُّفًا أزالت عنه نورَه وصحّته وفطرته.

فبين القلب والنّفس مُنازَلاتٌ ووقائع، والحرب بينهما دُولٌ وسِجالٌ، تُدال النّفس عليه تارةً، ويُدال عليها تارةً.

فهذا حظُّه من السّماع حظٌّ بين الحظَّين، ونصيبه منه بين النّصيبين، فإن صادفه وقت دولة القلب كان حظُّه منه قويًّا، وإن صادفه وقت دولة النّفس كان ضعيفًا. ومن هاهنا يقع التّفاوت بين الناس في الفقه عن الله، والفهمِ عنه، والابتهاجِ والنّعيم بسماع كلامه.

وصاحب هذه الحال ــ في حال سماعه ــ يشتغل القلب بالحرب بينه وبين النّفس، فيفوتُه من روح المسموع ونعيمه ولذّته بحسب اشتغاله عنه بالمحاربة، ولا سبيلَ له إلى حصول ذلك بتمامه حتّى تضَعَ الحرب أوزارها. وربّما صادفه في حال السّماع واردُ حقٍّ، أو الظَّفرُ بمعنًى بديعٍ لا يقدر فكره على صيده كلَّ وقتٍ، فغابَ به واستغرق فيه عمّا يأتي بعده، فيَعْجِز عن صيد تلك المعاني، ويُدْهِشه ازدحامُها، فيبقى قلبه باهتًا. كما يُحكى أنّ بعض العرب أرسل صائدًا له على صيدٍ، فخرج الصّيدُ عليه من أمامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره، فوقفَ باهتًا ينظر يمينًا وشمالًا، ولم يصطد شيئًا. فقال:

195

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي