مدارج السالكين
تفرَّقت١ الظِّباءُ على خِراشٍفما يدري خِراشٌ ما يصيدُ

فوظيفته في مثل هذا الحال: أن يَفنى عن واردِه، ويُعلِّق قلبَه بالمتكلِّم وكأنّه يسمع كلامه منه، ويجعل قلبه نهرًا لجريان٢ معانيه، ويُفرغه من سوى فهم المراد، ويَنصبّ إليه انصبابًا، يتلقّى فيه معانِيَه كتلقِّي المحبِّ للأحباب القادمين عليه، لا يَشْغَلُه حبيبٌ منهم عن حبيبٍ، بل يُعطي كلَّ قادمٍ حقَّه. وكتلقِّي الضُّيوف والزُّوّار. وهذا إنّما يكون مع سعة القلب، وقوّة الاستعداد، وكمال الحضور.

فإذا سمع خطاب التّرغيب والتّشويق واللُّطف والإحسان: لا يفنى به عمّا يجيء بعده من خطاب التّخويف والتّرهيب والعدل، بل يتلقَّى الخطاب الثّاني مستصحبًا لحكم الخطاب الأوّل، ويَمزِج هذا بهذا، ويسيرُ٣ بهما جميعًا، عاكفًا بقلبه على المتكلِّم وصفاته.

وهذا سيرٌ في الله، وهو نوعٌ آخر أرفع وأعلى من مجرّد المسير إليه، ولا ينقطع بذلك سيره إليه، بل يُدَرِّج سيرَه٤، فإنّ سير القلب في معاني أسمائه وصفاته وتوحيده ومعرفته.

  1. (١) كذا في النسخ. وفي هامش ش، د: «تكاثرت». والبيت بالروايتين في المصادر. وفي بعضها «خداش» بدل «خراش». والبيت لعبد الله بن معاوية في «تاريخ الطبري» (٧/ ٣٠٣)، و«الأغاني» (١٢/ ٢٢٩). وبلا نسبة في «تاريخ الطبري» (٨/ ٩٢)، و«التمثيل والمحاضرة» (ص ٣٦١)، و«المثل السائر» (١/ ١١٧).
  2. (٢) ش، د: «لجريات».
  3. (٣) ل: «ويشير».
  4. (٤) أي يجعله في درجات.
196

ومتى بقيت للقلب في ذلك ملكةٌ، واشتدّ تعلُّقه به= لم تَحْجُبه معاني المسموع وصفات المتكلِّم بعضها عن بعضٍ، ولكن في الابتداء يعسُر عليه ذلك، وفي التّوسُّط يَهُون عليه، ولا انتهاءَ هاهنا البتّة. والله المستعان.

فهذه كلماتٌ تشير إلى معاني سماع أهل المعرفة والإيمان والأحوال المستقيمة.

وأمّا السّماع الشّيطانيُّ: فبالضِّدِّ من ذلك، وهو مشتملٌ على أكثر من مائة مفسدةٍ ولولا الإطالة لسُقْناها مفصّلةً. وسنفرد لها مصنّفًا مستقلًّا١ إن شاء الله.

فهذا ما يتعلّق بقوله: (إنّ من الأنس بالشّواهد: التّغذِّي بالسّماع).

وقوله: (والوقوف على الإشارات).

الإشارات هي المعاني التي تشير إلى الحقيقة من بُعدٍ، ومن٢ وراء حجابٍ. وهي تارةً تكون من مسموعٍ، وتارةً تكون من مرئيٍّ٣، وتارةً تكون من معقولٍ٤، وقد تكون من الحواسِّ كلِّها.

فالإشارات: من جنس الأدلّة والأعلام. وسببها: صفاءٌ يحصل بالجمعيّة. فيلطف به الحسُّ والذِّهن. فيستيقظ لإدراك أمورٍ لطيفةٍ لا يكشف حسُّ غيره وفهمه عن إدراكها.

  1. (١) للمؤلف «الكلام على مسألة السماع»، وبحث مطول في «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٠٠ - ٤٧٣).
  2. (٢) «ومن» ليست في ش، د.
  3. (٣) ل: «معقول».
  4. (٤) ل: «مرئي».
197

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي