مدارج السالكين

ومتى بقيت للقلب في ذلك ملكةٌ، واشتدّ تعلُّقه به= لم تَحْجُبه معاني المسموع وصفات المتكلِّم بعضها عن بعضٍ، ولكن في الابتداء يعسُر عليه ذلك، وفي التّوسُّط يَهُون عليه، ولا انتهاءَ هاهنا البتّة. والله المستعان.

فهذه كلماتٌ تشير إلى معاني سماع أهل المعرفة والإيمان والأحوال المستقيمة.

وأمّا السّماع الشّيطانيُّ: فبالضِّدِّ من ذلك، وهو مشتملٌ على أكثر من مائة مفسدةٍ ولولا الإطالة لسُقْناها مفصّلةً. وسنفرد لها مصنّفًا مستقلًّا١ إن شاء الله.

فهذا ما يتعلّق بقوله: (إنّ من الأنس بالشّواهد: التّغذِّي بالسّماع).

وقوله: (والوقوف على الإشارات).

الإشارات هي المعاني التي تشير إلى الحقيقة من بُعدٍ، ومن٢ وراء حجابٍ. وهي تارةً تكون من مسموعٍ، وتارةً تكون من مرئيٍّ٣، وتارةً تكون من معقولٍ٤، وقد تكون من الحواسِّ كلِّها.

فالإشارات: من جنس الأدلّة والأعلام. وسببها: صفاءٌ يحصل بالجمعيّة. فيلطف به الحسُّ والذِّهن. فيستيقظ لإدراك أمورٍ لطيفةٍ لا يكشف حسُّ غيره وفهمه عن إدراكها.

  1. (١) للمؤلف «الكلام على مسألة السماع»، وبحث مطول في «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٠٠ - ٤٧٣).
  2. (٢) «ومن» ليست في ش، د.
  3. (٣) ل: «معقول».
  4. (٤) ل: «مرئي».
197

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ــ قدّس الله روحه١ ــ يقول: الصّحيح منها ما يدلُّ عليه اللّفظ بإشارته من باب قياس الأولى.

قلت: مثاله قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].

قال: والصّحيح٢ في الآية أنّ المراد به: الصُّحف التي بأيدي الملائكة، لوجوهٍ عديدةٍ.

منها: أنّه وصفه بأنّه مكنونٌ، والمكنون: المستور عن العيون٣. وهذا إنّما هو في الصُّحف التي بأيدي الملائكة.

ومنها: أنّه قال: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ وهم الملائكة، ولو أراد المتوضِّئين لقال: «لا يمسُّه إلّا المتطهِّرون». كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فالملائكة مطهَّرون، والمؤمنون متطهِّرون.

ومنها: أنّ هذا إخبارٌ. ولو كان نهيًا لقال: لا يمسَسْه بالجزم، والأصل في الخبر أن يكون خبرًا صورةً ومعنًى.

ومنها: أنّ هذا٤ ردٌّ على من قال: إنّ الشّيطان جاء بهذا القرآن. فأخبر تعالى أنّه في كتابٍ مكنونٍ لا تنالُه الشّياطين، ولا وصولَ لها إليه، كما قال في

  1. (١) د: «سرّه».
  2. (٢) غيَّرها في ل، فجعلها «فإن» بدل «قال و». والصواب ما في ش، د، وضمير «قال» لشيخ الإسلام، وانظر كلامه في «شرح العمدة» (١/ ٤١٨ - ٤٢٠). وذكر المؤلف عشرة وجوه في «التبيان في أيمان القرآن» (ص ٣٣١ - ٣٣٨).
  3. (٣) ل: «العيوب»، تصحيف.
  4. (٤) «إخبار ... أن هذا» ساقطة من ش، د بسبب انتقال النظر.
198

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي