مدارج السالكين

آية الشُّعراء: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ٢١٠ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]، وإنّما تناله الأرواح المطهّرة، وهم الملائكة.

ومنها: أنّ هذه نظير الآية التي في سورة عبس: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ١٢ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ١٣ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ١٤ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ١٥ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٢ - ١٦].

قال مالكٌ ﵁ في «موطّئه»١: أحسنُ ما سمعتُ في تفسير قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أنّها مثل هذه الآية التي في سورة عبس.

ومنها: أنّ الآية مكِّيّةٌ في سورةٍ مكِّيّةٍ، تتضمّن تقرير التّوحيد والنُّبوّة والمعاد وإثبات الصّانع والرّدّ على الكفّار. وهذا المعنى أليقُ بالمقصود من فرعٍ عمليٍّ، وهو حكم مسِّ المحدِث المصحفَ.

ومنها: أنّه لو أريد به الكتاب الذي بأيدي النّاس لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم العظيم كثير٢ فائدةٍ، إذ من المعلوم أنّ كلّ كلامٍ فهو قابلٌ لأن يكون في كتابٍ حقًّا أو باطلًا، بخلاف ما إذا وقع القسم على أنّه في كتابٍ مصونٍ، مستورٍ عن العيون عند الله، لا يصل إليه شيطانٌ ولا ينال منه، ولا يمسُّه إلّا الأرواح الطّاهرة الزّكيّة. فهذا المعنى أليقُ وأجلُّ وأخلَقُ بالآية وأولى بلا شكٍّ.

فسمعتُ شيخ الإسلام يقول: لكن تدلُّ الآية بإشارتها على أنّه لا يمسُّ المصحفَ إلّا طاهرٌ، لأنّه إذا كانت تلك الصُّحف لا يمسُّها إلّا المطهَّرون،

  1. (١) (١/ ١٩٩).
  2. (٢) ش، د: «كبير».
199

لكرامتها١ على الله، فهذه الصُّحف ينبغي أن لا يمسَّها إلّا طاهرٌ٢.

وسمعته يقول في قول النّبيِّ ﷺ: «لا تدخلُ الملائكة بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ»٣: إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب والصُّورة عن دخول البيت، فكيف تلِجُ معرفةُ الله ومحبّته وحلاوةُ ذكره والأنسُ بقربه، في بيتٍ ممتلئٍ بكلاب الشّهوات وصورها؟٤ فهذا من إشارة اللّفظ الصّحيحة.

ومن هذا: أنّ طهارة الثّوب الظّاهر٥ والبدن إذا كانت شرطًا في صحّة الصّلاة والاعتداد بها، فإذا أخلَّ بها كانت فاسدةً، فكيف إذا كان القلب نجسًا ولم يُطهِّره صاحبه؟ فكيف يُعتَدُّ له بصلاته وإن أسقطت القضاء؟ وهل طهارة الظّاهر إلّا تكميلٌ لطهارة الباطن؟

ومن هذا: أنّ استقبال القبلة في الصّلاة شرطٌ لصحّتها، وهي بيت الرّبِّ، فتوجُّه المصلِّي إليها ببدنه وقالَبه شرطٌ، فكيف تصحُّ صلاة من لم يتوجّه بقلبه إلى ربِّ القبلة والبدن؟ بل وجَّه بدنَه إلى البيت، ووجَّه قلبَه إلى غير ربِّ البيت.

وأمثال ذلك من الإشارات الصّحيحة التي لا تُنال إلّا بصفاء الباطن، وصحّةِ البصيرة، وحسن التّأمُّل.

  1. (١) ش، د: «ولكرامتها».
  2. (٢) ذكره المؤلف عن شيخه في «التبيان» (ص ٣٣٨). وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٤٢).
  3. (٣) أخرجه البخاري (٣٢٢٥، ٣٣٢٢) ومسلم (٢١٠٦) من حديث أبي طلحة ﵁.
  4. (٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ٥٥٢، ١٣/ ٢٤٢).
  5. (٥) ل: «الطاهر».
200

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي