لكرامتها١ على الله، فهذه الصُّحف ينبغي أن لا يمسَّها إلّا طاهرٌ٢.
وسمعته يقول في قول النّبيِّ ﷺ: «لا تدخلُ الملائكة بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ»٣: إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب والصُّورة عن دخول البيت، فكيف تلِجُ معرفةُ الله ومحبّته وحلاوةُ ذكره والأنسُ بقربه، في بيتٍ ممتلئٍ بكلاب الشّهوات وصورها؟٤ فهذا من إشارة اللّفظ الصّحيحة.
ومن هذا: أنّ طهارة الثّوب الظّاهر٥ والبدن إذا كانت شرطًا في صحّة الصّلاة والاعتداد بها، فإذا أخلَّ بها كانت فاسدةً، فكيف إذا كان القلب نجسًا ولم يُطهِّره صاحبه؟ فكيف يُعتَدُّ له بصلاته وإن أسقطت القضاء؟ وهل طهارة الظّاهر إلّا تكميلٌ لطهارة الباطن؟
ومن هذا: أنّ استقبال القبلة في الصّلاة شرطٌ لصحّتها، وهي بيت الرّبِّ، فتوجُّه المصلِّي إليها ببدنه وقالَبه شرطٌ، فكيف تصحُّ صلاة من لم يتوجّه بقلبه إلى ربِّ القبلة والبدن؟ بل وجَّه بدنَه إلى البيت، ووجَّه قلبَه إلى غير ربِّ البيت.
وأمثال ذلك من الإشارات الصّحيحة التي لا تُنال إلّا بصفاء الباطن، وصحّةِ البصيرة، وحسن التّأمُّل.
(١) ش، د: «ولكرامتها».
(٢) ذكره المؤلف عن شيخه في «التبيان» (ص ٣٣٨). وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٤٢).
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٢٥، ٣٣٢٢) ومسلم (٢١٠٦) من حديث أبي طلحة ﵁.
(٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ٥٥٢، ١٣/ ٢٤٢).
(٥) ل: «الطاهر».
فصل
قال١: (الدّرجة الثّانية: الأنسُ بنور الكشف. وهو أنسٌ شاخِصٌ عن الأنس الأوّل، تَشُوبه صولةُ الهَيَمان، ويضرِبه موجُ الفناء. وهو الذي غلبَ قومًا على عقولهم، وسلبَ قومًا طاقةَ الاصطبار، وحلَّ عنهم قيودَ العلم. وفي هذا ورد الخبر بهذا الدُّعاء: «أسألكَ شَوقًا إلى لقائك، من غير ضَرَّاءَ مُضِرّةٍ ولا فتنةٍ مُضِلّةٍ»٢).
يجوز أن تكون الباء في قوله: «بنور الكشف» باء السّببيّة وباء الإلصاق. فإن كانت باء السّببيّة كان المعنى: الأنس الحاصل بسبب نور الكشف. وإن كانت باء الإلصاق كان المعنى: الأنس المتلبِّس بنور الكشف.
فإن قلت: ما الفرق بين الأنس ونور الكشف، حتّى يكون أحدهما سببًا للآخر٣، أو متلبِّسًا به؟
قلت: الفرق بينهما: أنّ نور الكشف من باب المعارف٤ وانكشاف الحقيقة للقلب. وأمّا الأنس فمن باب القرب والدُّنوِّ، والسُّكون إلى من يأنس به، والطُّمأنينة إليه. فضدّه: الوحشة. وضدّ نور الكشف: ظلمة
(١) «المنازل» (ص ٥٤، ٥٥).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٣٢٥) والنسائي (١٣٠٦) من حديث قيس بن عباد عن عمار مرفوعًا. وأخرجه النسائي (١٣٠٥)، وابن حبّان (١٩٧١)، والحاكم (١/ ٥٢٤) من حديث عطاء بن السائب عن أبيه عن عمار به. وهو حديث صحيح تقدم في منزلة الرضا (٢/ ٥٥٣).