مدارج السالكين

فصل

قال١: (الدّرجة الثّانية: الأنسُ بنور الكشف. وهو أنسٌ شاخِصٌ عن الأنس الأوّل، تَشُوبه صولةُ الهَيَمان، ويضرِبه موجُ الفناء. وهو الذي غلبَ قومًا على عقولهم، وسلبَ قومًا طاقةَ الاصطبار، وحلَّ عنهم قيودَ العلم. وفي هذا ورد الخبر بهذا الدُّعاء: «أسألكَ شَوقًا إلى لقائك، من غير ضَرَّاءَ مُضِرّةٍ ولا فتنةٍ مُضِلّةٍ»٢).

يجوز أن تكون الباء في قوله: «بنور الكشف» باء السّببيّة وباء الإلصاق. فإن كانت باء السّببيّة كان المعنى: الأنس الحاصل بسبب نور الكشف. وإن كانت باء الإلصاق كان المعنى: الأنس المتلبِّس بنور الكشف.

فإن قلت: ما الفرق بين الأنس ونور الكشف، حتّى يكون أحدهما سببًا للآخر٣، أو متلبِّسًا به؟

قلت: الفرق بينهما: أنّ نور الكشف من باب المعارف٤ وانكشاف الحقيقة للقلب. وأمّا الأنس فمن باب القرب والدُّنوِّ، والسُّكون إلى من يأنس به، والطُّمأنينة إليه. فضدّه: الوحشة. وضدّ نور الكشف: ظلمة

  1. (١) «المنازل» (ص ٥٤، ٥٥).
  2. (٢) أخرجه أحمد (١٨٣٢٥) والنسائي (١٣٠٦) من حديث قيس بن عباد عن عمار مرفوعًا. وأخرجه النسائي (١٣٠٥)، وابن حبّان (١٩٧١)، والحاكم (١/ ٥٢٤) من حديث عطاء بن السائب عن أبيه عن عمار به. وهو حديث صحيح تقدم في منزلة الرضا (٢/ ٥٥٣).
  3. (٣) ش، د: «لآخر».
  4. (٤) ل: «العارف».
201

الحجاب.

وقوله: (شاخصٌ عن الأنس الأوّل).

أي مرتفعٌ عنه وأعلى منه.

قوله: (تَشُوبه صولةُ الهَيَمان).

وذلك: لأنّ هذا الأنس المذكور يكون١ مبدؤه الكشف عن أسماء الصِّفات التي يحصل عنها الأنسُ ويتعلّق بها: كاسم الجميل، والبَرِّ، واللّطيف، والودود، والحليم، والرّحيم ونحوها. ثمّ يقوى التّعلُّق بها إلى أن يستغرق العقل، فيمازِجُه نوعٌ من الأسماء، فيقهرُ العقلَ بصولته.

والهَيَمان هو الحركة إلى كلِّ جهةٍ بسبب الحيرة والدّهشة، وذلك إنّما يكون مع نوع عدمِ تمييزٍ، أو معَ قوّة إرادةٍ قاهرةٍ لا يملك صاحبُها ضبطَها.

وقوله: (ويضربه مَوج٢ الفناء).

أي إنّ صاحب هذا الأنس يطالع مبادئَ الفناء محيطةً به، فهي تُقلِّبه كما يُقلِّب الموجُ الغريقَ. وهذا قبل استيلاء سلطان الفناء على وجوده.

قوله: (وهو الذي غلبَ قومًا على عقولهم).

أي سلَبَهم إيّاها، لأنّهم شاهدوا شيئًا فوق مدارك العقول، وفوقَ كلّ مُدرَكٍ بالحواسِّ الظّاهرة والباطنة، ولا إلْفَ لهم به، فأوجبتْ قوّةُ المشاهدةِ والواردِ وضعفُ المحلِّ والحاملِ غَلَبتَه على العقل. والكامل من القوم يَثبت

  1. (١) ش، د: «قد يكون».
  2. (٢) ش، د: «بموج».
202

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي