مدارج السالكين

صفاته المدلولِ عليها باسم "الصّمد" وهو كما قال ابن عبّاسٍ ﵄: العالم الذي كمل علمُه، القادر الذي كملت قدرتُه١. وفي روايةِ عليٍّ٢ عنه: هو السّيِّد الذي قد كمل فيه جميعُ أنواع السُّؤدد. وقال أبو وائلٍ: هو السّيِّد الذي انتهى سؤدده٣. وقال سعيد بن جبيرٍ: هو الكامل في جميع صفاته وأعماله. وبنفي التّمثيل والتّشبيه عنه بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وهذا ترجمة عقيدة أهل السُّنّة، فالتّوسُّلُ بالإيمان بذلك والشّهادة به هو الاسم الأعظم.

والثاني: حديث أنسٍ ﵁ أنّ رسول الله ﷺ سمع رجلًا يدعو: اللهمّ إنِّي أسألك بأنّ لك الحمد، لا إله إلّا أنت، المنّان، بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حيُّ يا قيُّوم. فقال: "لقد سأل الله باسمه الأعظم"٤. فهذا توسُّلٌ إليه بأسمائه وصفاته.

  1. (١) ذكره المؤلف في "الصواعق" (٣/ ١٠٢٥) مع القول التالي من رواية علي بن أبي طلحة. وهو جزء من روايته التي أخرجها بطولها الطبري (٢٤/ ٧٣٦) وأبو الشيخ في "العظمة" (١/ ٣٨٣) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١/ ١٥٦) وغيرهم ما عدا قوله: "القادر الذي كملت قدرته".
  2. (٢) يعني: ابن أبي طلحة. وقد حاول بعضهم طمسه في م. وانظر روايته بنحو هذا للفظ مع القولين الآتيين في "تفسير البغوي" (٥/ ٣٣٠).
  3. (٣) ذكره البخاري تعليقًا قبل الحديث (٤٩٧٥)، ووصله ابن أبي عاصم في "السنة" (٦٧٢) والطبري (٢٤/ ٧٣٥)، وعزاه في "الدر المنثور" إلى ابن المنذر والبيهقي أيضًا. وانظر: "التوضيح" لابن الملقن (٢٣/ ٦٠٥) و"فتح الباري" (٨/ ٧٤٠) و"تغليق التعليق" (٤/ ٣٨٠).
  4. (٤) أخرجه أحمد (١٢٢٠٥، ١٢٦١١) وأبو داود (١٤٩٥) والترمذي (٣٥٤٤) والنسائي (١٣٠٠) وابن ماجه (٣٨٥٨) وغيرهم من طرق عن أنس ﵁. وهو حديث صحيح، صححه ابن حبان (٨٩٣) والحاكم (١/ ٥٠٤) والضياء في "المختارة" (٤/ ٣٨٤، ٥/ ٢٥٦، ٢٥٧، ٦/ ٧٥) والألباني في "الصحيحة" (٣٤١١).
36

وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين: التّوسُّلَ بالحمد لله والثناء عليه وتمجيده، والتّوسُّلَ إليه بعبوديّته وتوحيده. ثمّ جاء سؤال أهمِّ المطالب وأنجح الرَّغَبات ــ وهو الهداية ــ بعد الوسيلتين؛ فالدّاعي به حقيقٌ بالإجابة.

ونظير هذا: دعاء النبيِّ ﷺ الذي كان يدعو به إذا قام يصلِّي من اللَّيل. رواه البخاريُّ في "صحيحه"١ من حديث ابن عبّاسٍ ﵄: "اللهمّ لك الحمد، أنت نور السّماوات والأرض ومن فيهنّ. ولك الحمد، أنت قَيِّمُ السّماوات والأرض ومن فيهنّ. ولك الحمد، أنت الحقُّ، ووعدك الحقُّ، ولقاؤك حقٌّ، والجنّة حقٌّ، والنّار حقٌّ، والنّبيُّون حقٌّ، والسّاعة حقٌّ، ومحمّدٌ حقٌّ. اللهمّ لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكّلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ. فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ. أنت إلهي لا إله إلّا أنت". فذكر التّوسُّل إليه بحمده والثّناء عليه وبعبوديّته له، ثمّ سأله المغفرة.

فصل

في اشتمال هذه السُّورة على أنواع التّوحيد الثّلاثة التي اتّفقت عليها الرُّسل صلوات الله وسلامه عليهم.

التّوحيد نوعان: نوعٌ في العلم والاعتقاد، ونوعٌ في الإرادة والقصد.

  1. (١) برقم (١١٢٠) وغيره، ومسلم (٧٦٩).
37

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي