مدارج السالكين

الحجاب.

وقوله: (شاخصٌ عن الأنس الأوّل).

أي مرتفعٌ عنه وأعلى منه.

قوله: (تَشُوبه صولةُ الهَيَمان).

وذلك: لأنّ هذا الأنس المذكور يكون١ مبدؤه الكشف عن أسماء الصِّفات التي يحصل عنها الأنسُ ويتعلّق بها: كاسم الجميل، والبَرِّ، واللّطيف، والودود، والحليم، والرّحيم ونحوها. ثمّ يقوى التّعلُّق بها إلى أن يستغرق العقل، فيمازِجُه نوعٌ من الأسماء، فيقهرُ العقلَ بصولته.

والهَيَمان هو الحركة إلى كلِّ جهةٍ بسبب الحيرة والدّهشة، وذلك إنّما يكون مع نوع عدمِ تمييزٍ، أو معَ قوّة إرادةٍ قاهرةٍ لا يملك صاحبُها ضبطَها.

وقوله: (ويضربه مَوج٢ الفناء).

أي إنّ صاحب هذا الأنس يطالع مبادئَ الفناء محيطةً به، فهي تُقلِّبه كما يُقلِّب الموجُ الغريقَ. وهذا قبل استيلاء سلطان الفناء على وجوده.

قوله: (وهو الذي غلبَ قومًا على عقولهم).

أي سلَبَهم إيّاها، لأنّهم شاهدوا شيئًا فوق مدارك العقول، وفوقَ كلّ مُدرَكٍ بالحواسِّ الظّاهرة والباطنة، ولا إلْفَ لهم به، فأوجبتْ قوّةُ المشاهدةِ والواردِ وضعفُ المحلِّ والحاملِ غَلَبتَه على العقل. والكامل من القوم يَثبت

  1. (١) ش، د: «قد يكون».
  2. (٢) ش، د: «بموج».
202

لذلك ولا يتحرّك، بل يبقى كأنّه جبلٌ.

وتلا الجنيد ﵀ في مثل هذه الحال ــ وقد قيل له: أما يُغيِّرك ما تسمع؟ ــ قولَه: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسِبُهَا جَامِدَةً وَهْيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]١.

وبعضهم تلا في مثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَحْسِبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٨].

وقومٌ أقوى تمكينًا من هؤلاء: لم يَغلِبْهم على عقولهم، بل سَلَبَهم طاقةَ صبرهم، فبدا منهم ما ينافي الصّبر.

وأمّا قوله: (وحلَّ عنهم قُيودَ العلم).

فكلامٌ لا بدَّ من تأويله، وتكلُّفِ وجهٍ يُصحِّحه.

وأحسن ما يحمل عليه: أنّ العلم يقيِّد صاحبَه٢، والمعرفة تُطلِقه، وتُوسِّع بِطانَه٣، وتُرِيه حقائقَ الأشياء، فتزول عنه التّقيُّدات التي كانت حاصلةً بسبب خفاء نور المعرفة وكشفها عليه.

فإنّ العارفَ صاحبَ ضياء الكشف أوسعُ بِطانًا وقلبًا وأعظمُ إطلاقًا بلا شكٍّ من صاحب العلم، ونسبته إليه كنسبة صاحب العلم إلى الجاهل. فكما أنّ العالم أوسعُ بِطانًا من الجاهل وله إطلاقٌ بحسب علمه، فالعارف ــ بما معه من روح العلم وضياء الكشف ونوره ــ هو أكثرُ إطلاقًا وأوسعُ بِطانًا من

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٢٤٥، ٢٤٦). ورواه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٧١).
  2. (٢) «صاحبه» ليست في ش، د.
  3. (٣) البِطان: حزام يُشَدُّ على البطن. يقال: فلان واسع البطان أي رخيّ البال.
203

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي