مدارج السالكين

صاحب العلم. فيُقيَّد العالم بظواهر العلم وأحكامه، والعارف لا يراها قيودًا.

ومن هاهنا١ تزندقَ من تزندقَ، وظنّ أنّه إذا لاحت له حقائقُها وبواطنها خلع قيودَ ظواهرها ورسومها، اشتغالًا بالمقصود عن الوسيلة، وبالحقيقة عن الرّسم. فهؤلاء هم المقطوعون عن الله، القُطَّاع لطريق الله، وهم معاطِبُ الطّريق وآفاتها.

واتّفق أنّ العارفين تكلَّموا في الحقائق، وأمروا بالانتقال من الرُّسوم والظّواهر إليها، وأن لا يُوقَفَ عندها. فظنّ هؤلاء الزّنادقة أنّهم جوَّزوا خلْعَها والانحلالَ منها. ولا ريبَ أنّ من جوّز ذلك فهو مثل هؤلاء. والله يَرْكُم الخبيثَ بعضَه على بعضٍ، فيجعله في جهنّم. أولئك هم الخاسرون٢.

فصاحب «المنازل» ﵀ أشار إلى المعنى الحقِّ الصّحيح، كما أشار إليه شيوخ القوم.

وأمّا استدلاله بقول النّبيِّ ﷺ: «أسألك الشّوق إلى لقائك في غير ضرّاء مضرّةٍ ولا فتنةٍ مضلّةٍ» فليس بمطابق لما ذكره في هذه الدّرجة.

فأين طلب الشّوق إلى لقائه، الباعث على كمال الاستعداد، وعلى خفّة أعباء السّير، والمُزِيل لكلِّ فتورٍ، والحامل على كلِّ صدقٍ وإخلاصٍ وإنابةٍ وصحّة معاملةٍ= إلى أمرٍ مَشُوبٍ بصولة الهَيَمان، تَضرِبه أمواج الفناء، بحيث غلب قومًا على عقولهم، وسلب قومًا صبْرَهم بحيث صيَّرهم في عالم الفناء؟ ورسول الله ﷺ لم يكن ليسأل حالة الفناء قطُّ، وإنّما سأل شوقًا موجبًا

  1. (١) ل: «ومن ثم».
  2. (٢) كما في سورة الأنفال: ٣٧.
204

للبقاء، مصاحبًا له طِيب الحياة، وقرّة العين، ولذّة القلب، وبهجة الرُّوح.

وصاحب «المنازل» ﵀ كأنّه فهم منه اشتياقه إلى المشاهدة من غير غلبةٍ على عقلٍ، ولا فقدٍ لاصطبارٍ، ولهذا قال: «من غيرِ ضرّاء مُضِرّةٍ»، وهي الغلبة على العقل. «ولا فتنةٍ مضلّةٍ»، وهي مفارقة أحكام العلم. وهذا غايته: أن يؤخذ من إشارة الحديث على عادة القوم، وأمّا أن يكون هو نفس المراد فلا.

وإنّما المسؤول أن يهَبَ له شوقًا إلى لقائه، مصاحبًا للعافية والهداية، لا تصحَبه فتنةٌ ولا محنةٌ. وهذا من أجلِّ العطايا والمواهب، فإنّ كثيرًا ممّن يحصل له هذا لا يناله إلّا بعد امتحانٍ واختبارٍ: هل يصلُح أم لا؟ ومن لم يُمتحن ولم يُختبر فأكثرهم لم يُؤهَّل لهذا.

فتضمَّنَ هذا الدُّعاء: حصولَ ذلك، والتّأهيلَ له، مع كمال العافية بلا محنةٍ، والهداية بلا فتنةٍ. وبالله التّوفيق.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّالثة: أنسُ اضمحلالٍ في شهود الحضرة، لا يُعبَّر عن عينه، ولا يُشار إلى حدِّه، ولا يُوقَف على كُنْهه).

الاضمحلال: الانعدام. وشهود الحضرة هو مشاهدة الحقيقة، والفناء في ذلك الشُّهود.

قوله: (لا يُعبَّر عن عينه) إلى آخره.

  1. (١) «المنازل» (ص ٥٥).
205

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي