مدارج السالكين

للبقاء، مصاحبًا له طِيب الحياة، وقرّة العين، ولذّة القلب، وبهجة الرُّوح.

وصاحب «المنازل» ﵀ كأنّه فهم منه اشتياقه إلى المشاهدة من غير غلبةٍ على عقلٍ، ولا فقدٍ لاصطبارٍ، ولهذا قال: «من غيرِ ضرّاء مُضِرّةٍ»، وهي الغلبة على العقل. «ولا فتنةٍ مضلّةٍ»، وهي مفارقة أحكام العلم. وهذا غايته: أن يؤخذ من إشارة الحديث على عادة القوم، وأمّا أن يكون هو نفس المراد فلا.

وإنّما المسؤول أن يهَبَ له شوقًا إلى لقائه، مصاحبًا للعافية والهداية، لا تصحَبه فتنةٌ ولا محنةٌ. وهذا من أجلِّ العطايا والمواهب، فإنّ كثيرًا ممّن يحصل له هذا لا يناله إلّا بعد امتحانٍ واختبارٍ: هل يصلُح أم لا؟ ومن لم يُمتحن ولم يُختبر فأكثرهم لم يُؤهَّل لهذا.

فتضمَّنَ هذا الدُّعاء: حصولَ ذلك، والتّأهيلَ له، مع كمال العافية بلا محنةٍ، والهداية بلا فتنةٍ. وبالله التّوفيق.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّالثة: أنسُ اضمحلالٍ في شهود الحضرة، لا يُعبَّر عن عينه، ولا يُشار إلى حدِّه، ولا يُوقَف على كُنْهه).

الاضمحلال: الانعدام. وشهود الحضرة هو مشاهدة الحقيقة، والفناء في ذلك الشُّهود.

قوله: (لا يُعبَّر عن عينه) إلى آخره.

  1. (١) «المنازل» (ص ٥٥).
205

حاصله: أنّ هذا أمرٌ وراء العبارة، لا تناله العبارة. ولا يُحاط به عينًا ولا حدًّا ولا كُنْهًا وحقيقةً، فإنّ حقيقته تَستغرق العبارة والإشارة والدّلالة. وفي وصفه يقول قائلهم١:

فألقَوا حِبالَ مَراسِيهِمُفغطّاهمُ البحرُ ثمّ انطبقْ

وهاهنا إنّما حوالة القوم على الذّوق، وإشارتهم إلى الفناء الذي يصطلم المشيرَ وإشارتَه، والمعبِّر وعبارتَه، مع ظهور سلطان الحقيقة التي هي فوق الإشارة والعبارة والدّلالة. والله أعلم.

  1. (١) لم أجد البيت فيما بين يديّ من مصادر.
206

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي