حاصله: أنّ هذا أمرٌ وراء العبارة، لا تناله العبارة. ولا يُحاط به عينًا ولا حدًّا ولا كُنْهًا وحقيقةً، فإنّ حقيقته تَستغرق العبارة والإشارة والدّلالة. وفي وصفه يقول قائلهم١:
وهاهنا إنّما حوالة القوم على الذّوق، وإشارتهم إلى الفناء الذي يصطلم المشيرَ وإشارتَه، والمعبِّر وعبارتَه، مع ظهور سلطان الحقيقة التي هي فوق الإشارة والعبارة والدّلالة. والله أعلم.
✽ ✽ ✽
(١) لم أجد البيت فيما بين يديّ من مصادر.
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الذِّكر. وهي منزلة القوم الكبرى، التي منها يتزوَّدون، وفيها يتَّجرون، وإليها دائمًا يتردَّدون.
والذِّكر منشور الولاية الذي من أُعطِيه اتّصل، ومن مُنِعه عزل، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها١ صارت الأجساد لها قبورًا، وعمارةُ ديارهم فمتى تعطَّلت عنه٢ صارت بُورًا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قُطَّاعَ الطّريق، وماؤهم الذي يُطفِئون به التهابَ الحريق ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكستْ منهم القلوب، والسّبب الواصل والعِلاقة التي بينهم وبين علّام الغيوب.
إذا مرِضنا تداوينا بذكرِكُمفنترك الذِّكرَ أحيانًا فننتكسُ٣
به يستدفعون الآفاتِ، ويستكشفون الكُرُبات، وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلَّهم البلاءُ فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النّوازلُ فإليه مفزَعُهم. فهو رياضُ جنّتهم التي فيها يتقلّبون، ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتّجرون. يَدَعُ القلبَ الحزين ضاحكًا مسرورًا، ويُوصِل الذّاكر إلى المذكور، بل يعيد الذّاكر مذكورًا.
(١) ل: «فارقتها».
(٢) ش: «عنها».
(٣) لم أقف عليه في المصادر التي بين يديّ. وقد أنشده المؤلف في «الكافية الشافية» (١/ ١٠) و«الوابل الصيب» (ص ١٧٢). ولعله له.