ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الذِّكر. وهي منزلة القوم الكبرى، التي منها يتزوَّدون، وفيها يتَّجرون، وإليها دائمًا يتردَّدون.
والذِّكر منشور الولاية الذي من أُعطِيه اتّصل، ومن مُنِعه عزل، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها١ صارت الأجساد لها قبورًا، وعمارةُ ديارهم فمتى تعطَّلت عنه٢ صارت بُورًا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قُطَّاعَ الطّريق، وماؤهم الذي يُطفِئون به التهابَ الحريق ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكستْ منهم القلوب، والسّبب الواصل والعِلاقة التي بينهم وبين علّام الغيوب.
إذا مرِضنا تداوينا بذكرِكُمفنترك الذِّكرَ أحيانًا فننتكسُ٣
به يستدفعون الآفاتِ، ويستكشفون الكُرُبات، وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلَّهم البلاءُ فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النّوازلُ فإليه مفزَعُهم. فهو رياضُ جنّتهم التي فيها يتقلّبون، ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتّجرون. يَدَعُ القلبَ الحزين ضاحكًا مسرورًا، ويُوصِل الذّاكر إلى المذكور، بل يعيد الذّاكر مذكورًا.
(١) ل: «فارقتها».
(٢) ش: «عنها».
(٣) لم أقف عليه في المصادر التي بين يديّ. وقد أنشده المؤلف في «الكافية الشافية» (١/ ١٠) و«الوابل الصيب» (ص ١٧٢). ولعله له.
وعلى كلِّ جارحةٍ من الجوارح عبوديّةٌ موقَّتةٌ، والذِّكر عبوديّة القلب واللِّسان وهي غير موقَّتةٍ، بل هم مأمورون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كلِّ حالٍ: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم١. وكما أنّ الجنّة قِيعانٌ وهو غِراسُها٢، فكذلك القلوب بُورٌ خَرابٌ وهو عمارتها وأساسها.
وهو جلاء القلوب وصِقالها ودواؤها إذا غشِيَها اعتلالُها، وكلّما ازداد الذّاكر في ذكره استغراقًا ازداد لمذكورِه محبّةً وإلى لقائه اشتياقًا، وإذا واطأ في ذكره قلبُه للسانه نسي في جنْبِ ذكره كلَّ شيءٍ، وحفظ الله عليه كلّ شيءٍ٣، وكان له عوضًا من كلِّ شيءٍ.
به يزول الوَقْر عن الأسماع، والبَكَمُ عن الألسن، وتنقشع الظُّلمة عن الأبصار. زيَّن الله به ألسنةَ الذّاكرين كما زيَّن بالنُّور أبصار النّاظرين، فاللِّسان الغافل كالعين العمياء والأُذن الصَّمّاء واليد الشَّلّاء.
وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يُغلِقه العبد بغفلته.
قال الحسن البصريُّ ﵁: تفقَّدوا الحلاوةَ في ثلاثة أشياء: في الصّلاة والذِّكر وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلّا فاعلموا أنّ الباب مغلقٌ٤.
(١) كما في سورة النساء: ١٠٣: ﴿قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا﴾.
(٢) أشار إلى حديث ابن مسعود الذي أخرجه الترمذي (٣٤٦٢) وفيه: «أن الجنّة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر». وحسَّنه الترمذي. وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف. وله شواهد يحسَّن بها.
(٣) «وحفظ الله عليه كلَّ شيء» ساقطة من ش، د.
(٤) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٠٣). ورواه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ١٧١، ١٠/ ١٤٦).