مدارج السالكين

وعلى كلِّ جارحةٍ من الجوارح عبوديّةٌ موقَّتةٌ، والذِّكر عبوديّة القلب واللِّسان وهي غير موقَّتةٍ، بل هم مأمورون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كلِّ حالٍ: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم١. وكما أنّ الجنّة قِيعانٌ وهو غِراسُها٢، فكذلك القلوب بُورٌ خَرابٌ وهو عمارتها وأساسها.

وهو جلاء القلوب وصِقالها ودواؤها إذا غشِيَها اعتلالُها، وكلّما ازداد الذّاكر في ذكره استغراقًا ازداد لمذكورِه محبّةً وإلى لقائه اشتياقًا، وإذا واطأ في ذكره قلبُه للسانه نسي في جنْبِ ذكره كلَّ شيءٍ، وحفظ الله عليه كلّ شيءٍ٣، وكان له عوضًا من كلِّ شيءٍ.

به يزول الوَقْر عن الأسماع، والبَكَمُ عن الألسن، وتنقشع الظُّلمة عن الأبصار. زيَّن الله به ألسنةَ الذّاكرين كما زيَّن بالنُّور أبصار النّاظرين، فاللِّسان الغافل كالعين العمياء والأُذن الصَّمّاء واليد الشَّلّاء.

وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يُغلِقه العبد بغفلته.

قال الحسن البصريُّ ﵁: تفقَّدوا الحلاوةَ في ثلاثة أشياء: في الصّلاة والذِّكر وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلّا فاعلموا أنّ الباب مغلقٌ٤.

  1. (١) كما في سورة النساء: ١٠٣: ﴿قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا﴾.
  2. (٢) أشار إلى حديث ابن مسعود الذي أخرجه الترمذي (٣٤٦٢) وفيه: «أن الجنّة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر». وحسَّنه الترمذي. وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف. وله شواهد يحسَّن بها.
  3. (٣) «وحفظ الله عليه كلَّ شيء» ساقطة من ش، د.
  4. (٤) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٠٣). ورواه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ١٧١، ١٠/ ١٤٦).
208

وبالذِّكر يَصرع العبدُ الشّيطانَ كما يَصرع الشّيطانُ أهلَ الغفلة والنِّسيان.

قال بعض السّلف: إذا تمكَّن الذِّكرُ من القلب فإن دنا منه الشّيطان صُرِعَ كما يُصرَع الإنسان إذا دنا منه الشّيطان، فتجتمع عليه الشّياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسَّه الإنسيُّ١.

وهو روح الأعمال الصّالحة، فإذا خلا العمل عن الذِّكر كان كالجسد الذي لا روح فيه.

فصل

وهو في القرآن على عشرة أوجهٍ:

الأوّل: الأمر به مطلقًا ومقيّدًا.

الثّاني: النّهي عن ضدِّه من الغفلة والنِّسيان.

الثّالث: تعليق الفلاح باستدامته وكثرته.

الرّابع: الثّناء على أهله والإخبار بما أعدّ لهم من الجنّة والمغفرة.

الخامس: الإخبار عن خُسران من لَها عنه بغيره.

السّادس: أنّه جعل ذكره سبحانه لهم جزاءً لذكرهم له.

السّابع: الإخبار أنّه أكبر من كلِّ شيءٍ.

الثّامن: أنّه جعله خاتمة الأعمال الصّالحة كما كان مفتاحها.

التّاسع: الإخبار عن أهله بأنّهم هم أهل الانتفاع بآياته، وأنّهم أولو الألباب دون غيرهم.

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٠٤).
209

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي