مدارج السالكين

الطّوافُ بالبيت والسّعيُ بين الصّفا والمروة ورمْيُ الجمار لإقامة ذكرِ الله»١.

وقرنَه بالجهاد، وأمرَ بذكره عند ملاقاة الأقران ومكافحة الأعداء فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٥]. وفي أثرٍ إلهيٍّ يقول الله تعالى: «إنَّ عبدي كلَّ عبدي الذي يذكرني وهو مُلاقي٢ قِرْنه»٣.

سمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يستشهد به، وسمعته يقول: المحبُّون يفتخرون بذكر من يحبُّونه في هذه الحال، كما قال عنترة٤:

  1. (١) أخرجه أحمد (٢٤٣٥١، ٢٤٤٦٨، ٢٥٠٨٠)، والدارمي (١٨٩٦)، وأبو داود (١٨٨٨)، والترمذي (٩٠٢)، وابن خزيمة (٢٧٣٨، ٢٨٨٢، ٢٩٧٠)، والحاكم (١/ ٤٥٩)، والبيهقي في «السنن الكبير» (٥/ ١٤٥) من حديث عائشة. وفيه عبيد الله بن أبي زياد، فيه لين. وقد اختلف عليه، فمرة رفع الحديث ومرة وقفه. وقد نقل البيهقي في «السنن الكبير» أن يحيى القطان رواه عن عبيد الله فلم يرفعه وقال: «قد سمعته يرفعه ولكني أهابه»، ثم ذكر البيهقي بعض من رفعه ومَن وقفه. وانظر: «علل الحديث» للفلّاس (ص ٢٠٥، ٢٠٦).
  2. (٢) كذا بإثبات الياء في الأصول.
  3. (٣) أخرجه الترمذي (٣٥٨٠) من حديث عمارة بن زعكرة، وقال: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي». ومعنى قوله: «وهو ملاقٍ قِرنَه» يعني: عند القتال. وفي إسناده عفير بن معدان، وهو ضعيف. وانظر: «السلسلة الضعيفة» (٣١٣٥).
  4. (٤) في معلقته، انظر «ديوانه» (ص ٢١٦). والأشطان جمع شطن، وهو حبل البئر. واللبان: الصدر. والأدهم يقصد به الفرس. وانظر الكلام على رواية البيت في التعليق على «طريق الهجرتين» (٢/ ٦٦٧).
213
ولقد ذكرتُكِ والرِّماحُ كأنّهاأشطانُ بئرٍ في لَبانِ الأَدْهم

وقال الآخر١:

ذكرتُكِ والخَطِّيُّ يَخْطِر بينناوقد نَهِلَتْ منّا المثقَّفةُ السُّمْرُ

وقال الآخر٢:

ولقد ذكرتُكِ والرِّماحُ شَواجِرٌنَحْوي وبِيضُ الهندِ تَقْطُر من دَمي

وهذا كثيرٌ في أشعارهم، وهو ممّا يدلُّ على قوّة المحبّة، فإنّ ذكر المحبِّ محبوبه في تلك الحال التي لا يهمُّ المرء فيها غيرَ نفسه يدلُّ على أنّه عنده بمنزلة نفسه أو أعزُّ منها، وهذا دليلُ صدقِ المحبّة.

فصل

والذّاكرون هم أهل السَّبْق، كما روى مسلمٌ في «صحيحه»٣ من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله يسير في طريق مكّة، فمرّ على جبلٍ يقال له جُمْدان، فقال: «سِيروا، هذا جُمدانُ، سَبقَ المفرِّدون». قالوا: وما المفرِّدون يا رسول الله؟ قال: «الذّاكرون الله كثيرًا والذّاكرات». والمفرِّدون: إمّا الموحِّدون وإمّا الآحاد الفُرادى٤.

  1. (١) هو أبو عطاء السندي كما في «الحماسة» (١/ ٦٦) وغيره.
  2. (٢) هو عنترة، والبيت من معلقته في «جمهرة أشعار العرب» (ص ١٦٨ - ط. دار صادر). وفيه «نواهل» بدل «شواجر». ولم يرد البيت في «الديوان».
  3. (٣) رقم (٢٦٧٦).
  4. (٤) في الأصول: «الفرادة».
214

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي