وفي «الصّحيح»١ في الأثر الذي يرويه رسول الله ﷺ عن ربِّه ﵎: «مَن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهم».
وقد ذكرنا في الذِّكر نحو مائة فائدةٍ في كتاب «الوابل الصّيِّب ورافع الكلم الطّيِّب»٢. وذكرنا هناك أسرار الذِّكر وعِظَمَ نفعه وطِيب ثمرته، وذكرنا فيه أنّ الذِّكر ثلاثة أنواعٍ٣: ذكر الأسماء والصِّفات ومعانيها، والثّناء على الله بها، وتوحيد الله بها. وذكر الأمر والنّهي والحلال والحرام. وذكر الآلاء والنّعماء والإحسان والأيادي.
وأنّه ثلاثة أنواعٍ أيضًا٤: ذكرٌ يتواطأ عليه القلب واللِّسان، وهو أعلاها. وذكرٌ بالقلب وحده، وهو في الدّرجة الثّانية. وذكرٌ باللِّسان المجرّد، وهو في الدّرجة الثّالثة.
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀٥: (قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾[الكهف: ٢٤] يعني: إذا نسيتَ غيرَه ونسيتَ نفسَك في ذكرك، ثمّ
(١) البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) (ص ٩٤ - ٢١٥).
(٣) (ص ٢١٦ - ٢٢١).
(٤) (ص ٢٢١).
(٥) (ص ٥٥).
نسيتَ ذكرك في ذكرك، ثمّ نسيتَ في ذكرِ الحقِّ إيّاك كلَّ ذكرٍ).
ليته ــ قدّس الله روحه ــ لم يقل «يعني»، فلا والله ما عنى الله هذا المعنى، ولا هو مراد الآية ولا تفسيرها عند أحدٍ من السّلف ولا الخلف.
وتفسير الآية عند جماعة المفسِّرين١: أنّك لا تقل لشيءٍ: أفعلُ كذا وكذا، حتّى تقول: إن شاء الله. فإذا نسيتَ أن تقولها فقلْها متى ذكرتها. وهذا هو الاستثناء المتراخي الذي جوَّزه ابن عبّاسٍ وتأوّل عليه الآية٢، وهو الصّواب.
فغلِطَ عليه من لم يفهم كلامه ونقل عنه أنّ الرّجل إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ ثلاثًا، أو قال: نسائي الأربع طوالق، ثمّ بعد سنةٍ يقول: إلّا واحدةً، أو: إلّا زينب= أنّ هذا الاستثناء ينفعه٣.
وقد صان الله عن هذا من هو دون غلمان ابن عبّاسٍ بكثيرٍ، فضلًا عن البحر حبر الأمّة وعالمها الذي فقَّهه الله في الدِّين وعلّمه التّأويل. وما أكثرَ ما ينقل النّاس المذاهبَ الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة! ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال جدًّا، وإن ساعد الله أفردنا له كتابًا.