مدارج السالكين

نسيتَ ذكرك في ذكرك، ثمّ نسيتَ في ذكرِ الحقِّ إيّاك كلَّ ذكرٍ).

ليته ــ قدّس الله روحه ــ لم يقل «يعني»، فلا والله ما عنى الله هذا المعنى، ولا هو مراد الآية ولا تفسيرها عند أحدٍ من السّلف ولا الخلف.

وتفسير الآية عند جماعة المفسِّرين١: أنّك لا تقل لشيءٍ: أفعلُ كذا وكذا، حتّى تقول: إن شاء الله. فإذا نسيتَ أن تقولها فقلْها متى ذكرتها. وهذا هو الاستثناء المتراخي الذي جوَّزه ابن عبّاسٍ وتأوّل عليه الآية٢، وهو الصّواب.

فغلِطَ عليه من لم يفهم كلامه ونقل عنه أنّ الرّجل إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ ثلاثًا، أو قال: نسائي الأربع طوالق، ثمّ بعد سنةٍ يقول: إلّا واحدةً، أو: إلّا زينب= أنّ هذا الاستثناء ينفعه٣.

وقد صان الله عن هذا من هو دون غلمان ابن عبّاسٍ بكثيرٍ، فضلًا عن البحر حبر الأمّة وعالمها الذي فقَّهه الله في الدِّين وعلّمه التّأويل. وما أكثرَ ما ينقل النّاس المذاهبَ الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة! ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال جدًّا، وإن ساعد الله أفردنا له كتابًا.

  1. (١) انظر: «تفسير الطبري» (١٥/ ٢٢٥)، و«زاد المسير» (٥/ ١٢٨)، و«تفسير القرطبي» (١٠/ ٣٨٥) وغيرها.
  2. (٢) أخرجه الطبري (١٥/ ٢٢٥)، والطبراني في «الكبير» (١١٠٦٩) و«الأوسط» (١١٩)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٣٠٣)، وانظر: «الدر المنثور» (٩/ ٥١٦).
  3. (٣) انظر كلام المؤلف في «أعلام الموقعين» (٤/ ٥١٥)، و«شفاء العليل» (ص ٨٧) ط. دار الكتب العلمية.
220

والّذي أجمع عليه المفسِّرون: أنّ أهل مكّة سألوا عن الرُّوح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين، فقال: أُخبِركم غدًا، ولم يقل: إن شاء الله. فلبِثَ الوحي أيّامًا، ثمّ نزلت هذه الآية١.

قال ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ والحسن وغيرهم: معناه: إذا نسيتَ الاستثناء ثمّ ذكرتَ فاستثنِ٢.

قال ابن عبّاسٍ ﵄: ويجوز الاستثناء إلى سنةٍ٣.

وقال عكرمة ﵀: واذكر ربّك إذا غضِبتَ٤.

وقال الضّحّاك والسُّدِّيُّ: هذا في الصّلاة٥؛ أي إذا نسيت الصّلاة فصلِّها متى ذكرتها.

وأمّا كلام صاحب «المنازل» ﵀ فيُحمَل على الإشارة لا على التّفسير. فذكر ﵀ أربع مراتب:

إحداها: أن ينسى غيرَ الله ولا ينسى نفسَه، لأنّه ناسٍ لغيره، ولا يكون ناسيًا إلّا ونفسُه باقيةٌ يعلم أنّه ناسٍ بها لما سوى المذكور.

الثّانية: نسيان نفسه في ذكره، وهي التي عبَّر عنها بقوله: (ونسيتَ نفسك

  1. (١) انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٠٢)، و«تفسير الطبري» (١٥/ ١٤٤)، و«تفسير القرطبي» (١٠/ ٣٤٧)، و«الدر المنثور» (٩/ ٥١٥، ٥١٦).
  2. (٢) «تفسير البغوي» (٣/ ١٥٧). ومنه نقل المؤلف الأقوال الآتية.
  3. (٣) انظر: «تفسير الطبري» (١٥/ ٢٢٥) وغيره.
  4. (٤) «تفسير الطبري» (١٥/ ٢٢٦)، و«الدر المنثور» (٩/ ٥١٨).
  5. (٥) «تفسير البغوي» (٣/ ١٥٧).
221

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي