وسألت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يومًا فقلت له: إذا كان الرّبُّ يرضى بطاعة العبد ويفرح بتوبته ويغضب من مخالفته، فهل يجوز أن يُؤثِّر المحدَث في القديم حبًّا وبغضًا وفرحًا وغير ذلك؟ فقال لي: الرّبُّ سبحانه هو الذي خلق أسبابَ الرِّضا والغضب والفرح، وإنّما كانت بمشيئته وخلقه، فلم يكن ذلك التّأثُّر من غيره، بل من نفسه بنفسه، والممتنع أن يُؤثِّر غيرُه فيه فهذا محالٌ، وأمّا أن يخلُق هو أسبابًا ويشاءها ويقدِّرها تقتضي رضاه ومحبّته وفرحه وغضبه= فهذا ليس بمحالٍ، فإنّ ذلك منه بدأ وإليه يعود.
فصل
قال١: (والذِّكر: هو التّخلُّص من الغفلة والنِّسيان).
والفرق بين الغفلة والنِّسيان: أنّ الغفلة تركٌ باختيار الغافل، والنِّسيان تركٌ بغير اختياره، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾[الأعراف: ٢٠٥]، ولم يقل: «ولا تكن من النّاسين»، فإنّ النِّسيان لا يدخل تحت التّكليف فلا يُنهى عنه.
قال٢: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة٣ الأولى: الذِّكر الظّاهر من ثناءٍ أو دعاءٍ أو رعايةٍ).
(١) «المنازل» (ص ٥٥).
(٢) «المنازل» (ص ٥٥).
(٣) «الدرجة» ليست في ش، د.
يريد بالظّاهر: الجاري على اللِّسان المطابق للقلب، لا مجرّد الذِّكر اللِّسانيِّ، فإنّ القوم لا يعتدُّون به.
فأمّا ذكر «الثّناء»، فنحو: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، ونظائر ذلك.
وأمّا ذكر «الدُّعاء»، فنحو: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[الأعراف: ٢٣]، ويا حيُّ يا قيُّومُ برحمتك أستغيثُ، ونحو ذلك.
وأمّا ذكر «الرِّعاية»، فمثل قول الذّاكر: الله معي، الله ناظرٌ إليّ، الله شاهدي، ونحو ذلك ممّا يُستعمل لتقوية الحضور مع الله. وفيه رعايةٌ لمصلحة القلب، ولحفظ الأدب مع الله، والتّحرُّز من الغفلة، والاعتصام من الشّيطان والنّفس.
والأذكار النّبويّة تجمع الأنواع الثّلاثة، فإنّها متضمِّنةٌ للثّناء على الله، والتّعرُّض للدُّعاء والسُّؤال أو التّصريح به، كما في الحديث: «أفضلُ الدُّعاء الحمد لله»١. قيل لسفيان بن عيينة: كيف جعلها دعاءً؟ قال: أما سمعت قول أميّة بن أبي الصَّلْت لعبد الله بن جُدعان يرجو نائلَه:
أأذكرُ حاجتي أم قد كَفانيحياؤُك إنّ شِيمتَك الحياءُ٢
(١) أخرجه الترمذي (٣٣٨٣)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٥٩٩)، وابن ماجه (٣٨٠٠) من حديث جابر بن عبد الله ﵁. وصححه ابن حبان (٨٤٦)، والحاكم (١/ ٤٩٨، ٥٠٣).