يريد بالظّاهر: الجاري على اللِّسان المطابق للقلب، لا مجرّد الذِّكر اللِّسانيِّ، فإنّ القوم لا يعتدُّون به.
فأمّا ذكر «الثّناء»، فنحو: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، ونظائر ذلك.
وأمّا ذكر «الدُّعاء»، فنحو: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[الأعراف: ٢٣]، ويا حيُّ يا قيُّومُ برحمتك أستغيثُ، ونحو ذلك.
وأمّا ذكر «الرِّعاية»، فمثل قول الذّاكر: الله معي، الله ناظرٌ إليّ، الله شاهدي، ونحو ذلك ممّا يُستعمل لتقوية الحضور مع الله. وفيه رعايةٌ لمصلحة القلب، ولحفظ الأدب مع الله، والتّحرُّز من الغفلة، والاعتصام من الشّيطان والنّفس.
والأذكار النّبويّة تجمع الأنواع الثّلاثة، فإنّها متضمِّنةٌ للثّناء على الله، والتّعرُّض للدُّعاء والسُّؤال أو التّصريح به، كما في الحديث: «أفضلُ الدُّعاء الحمد لله»١. قيل لسفيان بن عيينة: كيف جعلها دعاءً؟ قال: أما سمعت قول أميّة بن أبي الصَّلْت لعبد الله بن جُدعان يرجو نائلَه:
أأذكرُ حاجتي أم قد كَفانيحياؤُك إنّ شِيمتَك الحياءُ٢
(١) أخرجه الترمذي (٣٣٨٣)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٥٩٩)، وابن ماجه (٣٨٠٠) من حديث جابر بن عبد الله ﵁. وصححه ابن حبان (٨٤٦)، والحاكم (١/ ٤٩٨، ٥٠٣).
(٢) في النسخ: «حباؤك»، و«الحباء» بالباء، تصحيف.
إذا أثنى عليك المرءُ يومًاكفاه من تعرُّضِه الثّناءُ١
فهذا مخلوقٌ اكتفى من مخلوقٍ بالثّناء عليه من سؤاله، فكيف بربِّ العالمين؟٢.
ومتضمِّنةٌ أيضًا لكمال الرِّعاية، ومصلحة القلب، والتّحرُّز من الغفلات، والاعتصام من الوساوس والشّيطان.
فصل
قال٣: (الدّرجة الثّانية: الذِّكر الخفيُّ. وهو الخلاص من القيود٤، والبقاء مع الشُّهود، ولزوم المسامرة).
يريد بالخفيِّ هاهنا: الذِّكر بمجرّد القلب بما يعرض له من الواردات، وهذا ثمرة الذِّكر الأوّل.
ويريد بالخلاص من القيود: التّخلُّص من الغفلة والنِّسيان والحُجُب الحائلة بين القلب وبين الرّبِّ ﷾.
والبقاء مع الشُّهود: ملازمة الحضور مع المذكور، ومشاهدة القلب له حتّى كأنّه يراه.
(١) «ديوان أمية بن أبي الصلت» (ص ١٧)، و«الحماسة» (٢/ ٣٩٥)، و«الأغاني» (٨/ ٣٢٨، ٣٣١)، و«عيون الأخبار» (٣/ ١٤٩) وغيرها.