مدارج السالكين
إذا أثنى عليك المرءُ يومًاكفاه من تعرُّضِه الثّناءُ١

فهذا مخلوقٌ اكتفى من مخلوقٍ بالثّناء عليه من سؤاله، فكيف بربِّ العالمين؟٢.

ومتضمِّنةٌ أيضًا لكمال الرِّعاية، ومصلحة القلب، والتّحرُّز من الغفلات، والاعتصام من الوساوس والشّيطان.

فصل

قال٣: (الدّرجة الثّانية: الذِّكر الخفيُّ. وهو الخلاص من القيود٤، والبقاء مع الشُّهود، ولزوم المسامرة).

يريد بالخفيِّ هاهنا: الذِّكر بمجرّد القلب بما يعرض له من الواردات، وهذا ثمرة الذِّكر الأوّل.

ويريد بالخلاص من القيود: التّخلُّص من الغفلة والنِّسيان والحُجُب الحائلة بين القلب وبين الرّبِّ ﷾.

والبقاء مع الشُّهود: ملازمة الحضور مع المذكور، ومشاهدة القلب له حتّى كأنّه يراه.

  1. (١) «ديوان أمية بن أبي الصلت» (ص ١٧)، و«الحماسة» (٢/ ٣٩٥)، و«الأغاني» (٨/ ٣٢٨، ٣٣١)، و«عيون الأخبار» (٣/ ١٤٩) وغيرها.
  2. (٢) خبر سفيان في «التمهيد» (٦/ ٤٤)، و«الاستذكار» (٨/ ١٥٧، ١٥٨، ١٣/ ٣٤٣، ٣٤٤)، و«فتح الباري» (١١/ ١٤٧).
  3. (٣) «المنازل» (ص ٥٥).
  4. (٤) كذا في النسخ. وفي «المنازل»: «الفتور».
226

ولزوم المسامرة: لزوم مناجاة القلب لربِّه: تملُّقًا تارةً، وتضرُّعًا تارةً، وثناءً تارةً، واستعطافًا تارةً، وغير ذلك من أنواع المناجاة بالسِّرِّ والقلب. وهذه شأن كلِّ محبٍّ وحبيبه، كما قيل١:

إذا ما خَلَونا والرّقيبُ بمجلسٍفنحن سُكوتٌ والهوى يتكلَّمُ

فصل

قال٢: (الدّرجة الثّالثة: الذِّكر الحقيقيُّ. وهو شهود ذكر الحقِّ إيّاك، والتّخلُّص من شهود ذكرك، ومعرفة افتراء الذّاكر في بقائه مع الذِّكر).

إنّما سمِّي هذا الذِّكر في هذه الدّرجة حقيقيًّا لأنّه منسوبٌ إلى الرّبِّ تعالى، وأمّا نسبة الذِّكر للعبد٣ فليست حقيقيّةً. فذكرُ الله لعبده هو الذِّكر الحقيقيُّ، وهو شهود ذكرِ الحقِّ عبدَه، وأنّه ذكَره فيمن اختصَّه وأهّله للقرب منه ولذكرِه، فجعله ذاكرًا له، ففي الحقيقة هو الذّاكر لنفسه بأن جعل عبده ذاكرًا له وأهّله لذكره. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه في باب التّوحيد بقوله٤:

توحيدُه إيّاه توحيدُهونَعْتُ من يَنعتُه لاحِدُ
  1. (١) الشطر الثاني للعباس بن الأحنف في «ديوانه» (٢٧٣) وصدره:
    تكلَّم منّا في الوجوه عيونُنا
    وقد ضمَّن الشطر الثاني بعض الشعراء، ومن ذلك ما ذكره المؤلف هنا. وانظر: «خزانة الأدب» لابن حجة (١/ ١٦٣، ٢/ ٣٣١).
  2. (٢) «المنازل» (ص ٥٦).
  3. (٣) ل: «إلى العبد».
  4. (٤) «المنازل» (ص ١١٣).
227

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي