مدارج السالكين

ولزوم المسامرة: لزوم مناجاة القلب لربِّه: تملُّقًا تارةً، وتضرُّعًا تارةً، وثناءً تارةً، واستعطافًا تارةً، وغير ذلك من أنواع المناجاة بالسِّرِّ والقلب. وهذه شأن كلِّ محبٍّ وحبيبه، كما قيل١:

إذا ما خَلَونا والرّقيبُ بمجلسٍفنحن سُكوتٌ والهوى يتكلَّمُ

فصل

قال٢: (الدّرجة الثّالثة: الذِّكر الحقيقيُّ. وهو شهود ذكر الحقِّ إيّاك، والتّخلُّص من شهود ذكرك، ومعرفة افتراء الذّاكر في بقائه مع الذِّكر).

إنّما سمِّي هذا الذِّكر في هذه الدّرجة حقيقيًّا لأنّه منسوبٌ إلى الرّبِّ تعالى، وأمّا نسبة الذِّكر للعبد٣ فليست حقيقيّةً. فذكرُ الله لعبده هو الذِّكر الحقيقيُّ، وهو شهود ذكرِ الحقِّ عبدَه، وأنّه ذكَره فيمن اختصَّه وأهّله للقرب منه ولذكرِه، فجعله ذاكرًا له، ففي الحقيقة هو الذّاكر لنفسه بأن جعل عبده ذاكرًا له وأهّله لذكره. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه في باب التّوحيد بقوله٤:

توحيدُه إيّاه توحيدُهونَعْتُ من يَنعتُه لاحِدُ
  1. (١) الشطر الثاني للعباس بن الأحنف في «ديوانه» (٢٧٣) وصدره:
    تكلَّم منّا في الوجوه عيونُنا
    وقد ضمَّن الشطر الثاني بعض الشعراء، ومن ذلك ما ذكره المؤلف هنا. وانظر: «خزانة الأدب» لابن حجة (١/ ١٦٣، ٢/ ٣٣١).
  2. (٢) «المنازل» (ص ٥٦).
  3. (٣) ل: «إلى العبد».
  4. (٤) «المنازل» (ص ١١٣).
227

أي هو الذي وحَّد نفسَه في الحقيقة، فتوحيدُ العبدِ منسوبٌ إليه حقيقةً، ونسبته إلى العبد غير حقيقيّةٍ١، إذ ذلك لم يكن به ولا منه، وإنّما هو مجعولٌ فيه. فإن سُمِّي موحِّدًا ذاكرًا فلكونه مجرًى ومحلًّا لما أُجرِي فيه، كما يُسمّى أبيض وأسود وطويلًا وقصيرًا لكونه محلًّا لهذه الصِّفات، لا صُنْعَ له فيها، ولم تُوجِبها مشيئتُه ولا حولُه ولا قوّتُه. هذا مع ما يتّصل بذلك من استيلاء القرب، والفناء عن الرّسم، والغيبة بالمشهود عن الشُّهود، وقوّة الوارد، فيتركّب من ذلك ذوقٌ خاصٌّ: أنّه ما وحَّد اللهَ إلّا اللهُ، وما ذكر اللهَ إلّا اللهُ، وما أحبَّ اللهَ إلّا اللهُ.

فهذا حقيقة ما عند القوم، فالعارفون منهم أرباب البصائر أَعطَوا مع ذلك العبوديّةَ حقَّها والعلمَ حقَّه، وعرفوا٢ أنّ العبد عبدٌ حقيقةً من كلِّ وجهٍ، والرّبّ ربٌّ حقيقةً من كلِّ وجهٍ، وقاموا٣ بحقِّ العبوديّة بالله لا بأنفسهم، ولله لا لحظوظهم، وفَنُوا بمشاهدة معاني أسمائه وصفاته عمّا سواه، وبما له محبّةً ورضًا عمّا به كونًا ومشيئةً، فإنّ الكون كلّه به٤، والّذي له هو محبوبه ومرضيُّه، فهو له وبه، والمنحرفون فَنُوا بما به عمّا له، فوالَوا أعداءه، وعطَّلُوا دينَه، وسَوَّوا بين مَحابِّه ومساخطِه، ومواقعِ رضاه وغضبِه. والله المستعان.

قوله: (والتّخلُّص من شهود ذكرك).

  1. (١) ش، د: «حقيقة».
  2. (٢) ل: «وعلموا».
  3. (٣) ل: «أقاموا».
  4. (٤) ش، د: «بيده».
228

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي