أي هو الذي وحَّد نفسَه في الحقيقة، فتوحيدُ العبدِ منسوبٌ إليه حقيقةً، ونسبته إلى العبد غير حقيقيّةٍ١، إذ ذلك لم يكن به ولا منه، وإنّما هو مجعولٌ فيه. فإن سُمِّي موحِّدًا ذاكرًا فلكونه مجرًى ومحلًّا لما أُجرِي فيه، كما يُسمّى أبيض وأسود وطويلًا وقصيرًا لكونه محلًّا لهذه الصِّفات، لا صُنْعَ له فيها، ولم تُوجِبها مشيئتُه ولا حولُه ولا قوّتُه. هذا مع ما يتّصل بذلك من استيلاء القرب، والفناء عن الرّسم، والغيبة بالمشهود عن الشُّهود، وقوّة الوارد، فيتركّب من ذلك ذوقٌ خاصٌّ: أنّه ما وحَّد اللهَ إلّا اللهُ، وما ذكر اللهَ إلّا اللهُ، وما أحبَّ اللهَ إلّا اللهُ.
فهذا حقيقة ما عند القوم، فالعارفون منهم أرباب البصائر أَعطَوا مع ذلك العبوديّةَ حقَّها والعلمَ حقَّه، وعرفوا٢ أنّ العبد عبدٌ حقيقةً من كلِّ وجهٍ، والرّبّ ربٌّ حقيقةً من كلِّ وجهٍ، وقاموا٣ بحقِّ العبوديّة بالله لا بأنفسهم، ولله لا لحظوظهم، وفَنُوا بمشاهدة معاني أسمائه وصفاته عمّا سواه، وبما له محبّةً ورضًا عمّا به كونًا ومشيئةً، فإنّ الكون كلّه به٤، والّذي له هو محبوبه ومرضيُّه، فهو له وبه، والمنحرفون فَنُوا بما به عمّا له، فوالَوا أعداءه، وعطَّلُوا دينَه، وسَوَّوا بين مَحابِّه ومساخطِه، ومواقعِ رضاه وغضبِه. والله المستعان.
قوله: (والتّخلُّص من شهود ذكرك).
(١) ش، د: «حقيقة».
(٢) ل: «وعلموا».
(٣) ل: «أقاموا».
(٤) ش، د: «بيده».
يعني: يفنَى بشهود١ ذكره لك٢ عن شهود ذكرك له، وهذا الشُّهود يُرِيح العبدَ من رؤية النّفس وملاحظة العمل، ويميته ويحييه: يُمِيته عن نفسه ويُحييه بربِّه، ويُفنِيه ويُبقيه، ويقتطعه٣ من نفسه ويُوصِله بربِّه، وهذا هو عين الظّفر بالنّفس.
قال بعض العارفين: انتهى سفرُ الطّالبين إلى الظَّفَر بنفوسهم٤.
قوله: «ومعرفة افتراء الذّاكر في بقائه مع الذِّكر».
يعني: أنّ الباقي مع الذِّكر يشهد على نفسه أنّه ذاكرٌ، وذلك افتراءٌ منه; فإنّه لا فعلَ له. ولا يزول عنه هذا الافتراء إلّا إذا فَنِي عن ذكره، فإنّ شهود ذكره وبقاءه معه افتراءٌ يتضمّن نسبةَ الذِّكر إليه، وهي في الحقيقة ليست له.
فيقال: سبحان الله! أيُّ افتراءٍ في هذا؟ وهل هذا إلّا شهود الحقائق على ما هي عليه؟ فإنّه إذا شهد نفسَه ذاكرًا بجعلِ الله له ذاكرًا وتأهيلِه له وتقدُّمِ ذكرِه للعبد على ذكر العبد، فاجتمع في شهوده الأمران، فأيُّ افتراءٍ هاهنا؟! وهل هذا إلّا عين الحقِّ وشهود الحقائق على ما هي عليه؟ نعَمْ، الافتراء أن يشهد ذلك به وبحوله وقوّته، لا بالله وحده. لكنّ الشّيخ ﵀ لا تأخذه في الفناء لومةُ لائمٍ، ولا يُصغِي فيه إلى عاذلٍ.
والّذي لا ريبَ فيه: أنّ البقاء في الذِّكر أكمل من الفناء فيه والغيبة به؛ لِما