في البقاء من التّفصيل١ والمعارف، وشهودِ الحقائق على ما هي عليه، والتّمييزِ بين الرّبِّ والعبد، وما قام بالعبد وما قام بالرّبِّ ﷾، وشهود العبوديّة والمعبود. وليس في الفناء شيءٌ من ذلك، والفناء كاسمه الفناء، والبقاء بقاءٌ كاسمه. والفناء مطلوبٌ لغيره، والبقاء مطلوبٌ لنفسه. والفناء وصف العبد، والبقاء وصف الرّبِّ. والفناء عدمٌ، والبقاء وجودٌ. والفناء نفيٌ، والبقاء إثباتٌ.
والسُّلوك على درب الفناء مُخطِرٌ، وكم به من مَفازةٍ ومَهلكةٍ. والسُّلوك على دَرْب البقاء آمنٌ; فإنّه دَرْبٌ عليه الأعلامُ والهُداةُ والأدلة والخَفَر، ولكنّ أصحاب الفناء يزعمون أنّه طويلٌ، ولا يشكُّون في سلامته وإيصاله إلى المطلوب، ويزعمون أنّ درب الفناء أقرب، وراكبه طائرٌ، وراكبُ درْبِ البقاء سائرٌ. والكُمَّل من السّائرين يرون الفناء منزلةً من منازل الطّريق، وليس نزولها عامًّا لكلِّ سائرٍ، بل منهم من لا يراها ولا يمرُّ بها، وأنَّ الدّرب الأعظم والطّريق الأقوم هو درب البقاء، ويحتجُّون على صاحب الفناء بالانتقال إليه من الفناء، وإلّا فهو عندهم على خطرٍ. والله المستعان.
✽ ✽ ✽
(١) ش، د: «التفضيل».
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الفقر. هذه المنزلة من أشرف منازل الطّريق وأعلاها وأرفعها، بل هي روح كلِّ منزلةٍ وسرُّها ولبُّها وغايتها.
وهذا إنّما يُعرف بمعرفة حقيقة الفقر. والّذي تريد به هذه الطّائفة أخصّ من معناه الأصليِّ، فإنّ لفظ الفقر وقع في القرآن في ثلاث مواضع.
أحدها: قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسِبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾[البقرة: ٢٧٣] أي الصّدقات لهؤلاء. وكانوا فقراء المهاجرين نحو أربعمائةٍ، لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر، وكانوا قد حبسوا أنفسَهم على الجهاد في سبيل الله، فكانوا وقفًا على كلِّ سريّةٍ يبعثها رسول الله ﷺ، وهم أهل الصُّفّة. هذا أحد الأقوال في إحصارهم في سبيل الله١.
وقيل: هو حبسهم أنفسهم في طاعة الله.
وقيل: حبسهم الفقر والعُدْم عن الجهاد في سبيل الله.
وقيل: لمّا عَادَوا أعداءَ الله وجاهدوهم في الله أُحصِروا عن الضّرب في الأرض لطلب المعاش، فلا يستطيعون ضربًا في الأرض.
(١) انظر هذا القول والأقوال الآتية في «تفسير البغوي» (١/ ٢٥٩)، والمؤلف صادر عنه. وانظر: «زاد المسير» (١/ ٣٢٧، ٣٢٨).