الافتقار إليه على جميع الأحوال، وملازمة السُّنّة في جميع الأفعال، وطلب القُوتِ من وجهٍ حلالٍ١.
وقيل: من حُكم الفقير أن لا تكون له رغبةٌ، فإن كان ولا بدَّ فلا تُجاوز رغبتُه كفايتَه٢.
وقيل: الفقير من لا يَملِك ولا يُملَك٣. وأتمُّ من هذا: من يَملِك ولا يَملِكه ما ملك.
وقيل: من أراد الفقر لشرف الفقر مات فقيرًا، ومن أراده لئلّا يشتغل عن الله بغيره مات غنيًّا٤.
والفقر له بدايةٌ ونهايةٌ، وظاهرٌ وباطنٌ. فبدايته الذُّلُّ، ونهايته العزُّ، وظاهره العدم، وباطنه الغنى. كما قال رجلٌ لآخر٥: فقرٌ وذلٌّ؟ فقال: لا. بل فقرٌّ وعزٌّ. فقال: فقرٌ وثرًى٦؟ فقال: لا بل فقرٌ وعرشٌ، وكلاهما مصيبٌ٧.
(١) المصدر نفسه (ص ٥٧٦).
(٢) المصدر نفسه (ص ٢٠٧، ٥٨١). والقائل أبو بكر عبد الله بن طاهر الأبهري. ورواه السلمي في «الطبقات» (ص ٣٩٤)، والبيهقي في «الشعب» (٣٢٥٥).
(٣) «قوت القلوب» (١/ ٢٦٩) عن أبي يزيد البسطامي نحوه في وصف الزاهد.
(٤) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٧٨).
(٥) الحوار بين منصور بن خلف المغربي وأبي سهل الخشاب الكبير في «الرسالة القشيرية» (ص ٥٧٨).
(٦) الثرى: التراب والأرض.
(٧) «وكلاهما مصيب» تعليق من المؤلف.
واتّفقت كلمة القوم على أنّ دوام الافتقار إلى الله مع التّخليط خيرٌ من دوام الصّفاء مع رؤية النّفس والعُجْب، مع أنّه لا صفاء معهما.
وإذا عرفت معنى الفقر عرفتَ أنّه عينُ الغنى بالله، فلا معنى لسؤال مَن سأل: أيُّ الحالينِ أكمل؟ الافتقار إلى الله أم الاستغناء به؟ فهذه مسألةٌ غير صحيحةٍ، فإنّ الاستغناء به هو عين الافتقار إليه.
وسئل عن ذلك محمّد بن عبد الله الفَرغانيُّ ﵀ فقال: إذا صحّ الافتقار إلى الله فقد صحّ الاستغناء بالله، وإذا صحّ الاستغناء بالله كمل الغنى به. فلا يقال: أيُّهما أتمُّ: الافتقار أم الغنى؟ لأنّهما حالتان لا تتمُّ إحداهما إلّا بالأخرى١.
وأمّا كلامهم في مسألة الفقير الصّابر والغنيِّ الشّاكر وترجيح أحدهما على صاحبه٢، فعند أهل التّحقيق والمعرفة: أنّ التّفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى، وإنّما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق. فالمسألة أيضًا فاسدةٌ في نفسها. فإنّ التّفضيل عند الله بالتّقوى وحقائق الإيمان، لا بفقرٍ ولا غنًى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات: ١٣]، ولم يقل: أفقركم ولا أغناكم.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: والفقر والغنى ابتلاءٌ من الله لعبده. كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَكْرَمَنِ ١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا﴾[الفجر: ١٥ - ١٦].
(١) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٧٣).
(٢) انظر كلام المؤلف عليها في «عدة الصابرين» (ص ٣٣٨ وما بعدها).