واتّفقت كلمة القوم على أنّ دوام الافتقار إلى الله مع التّخليط خيرٌ من دوام الصّفاء مع رؤية النّفس والعُجْب، مع أنّه لا صفاء معهما.
وإذا عرفت معنى الفقر عرفتَ أنّه عينُ الغنى بالله، فلا معنى لسؤال مَن سأل: أيُّ الحالينِ أكمل؟ الافتقار إلى الله أم الاستغناء به؟ فهذه مسألةٌ غير صحيحةٍ، فإنّ الاستغناء به هو عين الافتقار إليه.
وسئل عن ذلك محمّد بن عبد الله الفَرغانيُّ ﵀ فقال: إذا صحّ الافتقار إلى الله فقد صحّ الاستغناء بالله، وإذا صحّ الاستغناء بالله كمل الغنى به. فلا يقال: أيُّهما أتمُّ: الافتقار أم الغنى؟ لأنّهما حالتان لا تتمُّ إحداهما إلّا بالأخرى١.
وأمّا كلامهم في مسألة الفقير الصّابر والغنيِّ الشّاكر وترجيح أحدهما على صاحبه٢، فعند أهل التّحقيق والمعرفة: أنّ التّفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى، وإنّما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق. فالمسألة أيضًا فاسدةٌ في نفسها. فإنّ التّفضيل عند الله بالتّقوى وحقائق الإيمان، لا بفقرٍ ولا غنًى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات: ١٣]، ولم يقل: أفقركم ولا أغناكم.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: والفقر والغنى ابتلاءٌ من الله لعبده. كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَكْرَمَنِ ١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا﴾[الفجر: ١٥ - ١٦].
(١) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٧٣).
(٢) انظر كلام المؤلف عليها في «عدة الصابرين» (ص ٣٣٨ وما بعدها).
أي: ليس كلُّ من أعطيته ووسّعت عليه: أكون١ قد أكرمتُه، ولا كلُّ من ضيّقتُ عليه وقتَّرتُ: أكون٢ قد أهنتُه. فالإكرام: أن يُكرم العبد بطاعته، والإيمان به، ومحبّته ومعرفته. والإهانة: أن يسلبه ذلك.
قال: ولا يقع التّفاضل بالغنى والفقر، بل بالتّقوى، فإن استويا في التّقوى استويا في الدّرجة. سمعتُه يقول ذلك٣.
وتذاكروا هذه المسألة عند يحيى بن معاذٍ ﵀، فقال: لا يُوزن غدًا الفقر ولا الغنى، وإنّما يُوزن الصّبر والشُّكر٤.
وقال غيره: هذه المسألة محالٌ من وجهٍ آخر. وهو أنّ كلًّا من الغنيِّ والفقير لا بدَّ له من صبرٍ وشكرٍ، فإنّ الإيمان نصفان: نصفٌ صبرٌ، ونصفٌ شكرٌ. بل قد يكون قسط الغنيِّ من الصّبر أوفر، لأنّه يصبر عن قدرةٍ، فصبره أتمُّ من صبرِ من يصبر عن عَجْزٍ. ويكون شكر الفقير أتمّ؛ لأنّ الشُّكر٥ هو استفراغ الوسع في طاعة الله، والفقير أعظم فراغًا للشُّكر من الغنيِّ. فكلاهما لا تقوم قامةُ إيمانه إلّا على ساقَي الصّبر والشُّكر.
نعم، الذي يُحِيل٦ النّاس من هذه المسألة: فرعًا من الشُّكر، وفرعًا من
(١) شطب عليها في ش.
(٢) ليست في ش، د.
(٣) تكلم شيخ الإسلام على هذه المسألة في مواضع. انظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ١٢٢ - ١٣٢، ١٩٥)، و«مختصر الفتاوى المصرية» (ص ٩٥، ٥٧٢).
(٤) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٨٠).
(٥) «أتم لأن الشكر» ساقطة من ش، د.
(٦) رسمها في ل، ش يحتمل هذه القراءة. والمعنى: أن الناس جعلوا الجمع بين الصبر والشكر محالًا، فأخذوا في الترجيح بينهما. والكلمة ساقطة من د. وفي المطبوع: «يحكي» خلاف الأصول والسياق. و«فرعًا» كذا بالنصب في الأصول، والسياق يقتضي الرفع.