مدارج السالكين

أي: ليس كلُّ من أعطيته ووسّعت عليه: أكون١ قد أكرمتُه، ولا كلُّ من ضيّقتُ عليه وقتَّرتُ: أكون٢ قد أهنتُه. فالإكرام: أن يُكرم العبد بطاعته، والإيمان به، ومحبّته ومعرفته. والإهانة: أن يسلبه ذلك.

قال: ولا يقع التّفاضل بالغنى والفقر، بل بالتّقوى، فإن استويا في التّقوى استويا في الدّرجة. سمعتُه يقول ذلك٣.

وتذاكروا هذه المسألة عند يحيى بن معاذٍ ﵀، فقال: لا يُوزن غدًا الفقر ولا الغنى، وإنّما يُوزن الصّبر والشُّكر٤.

وقال غيره: هذه المسألة محالٌ من وجهٍ آخر. وهو أنّ كلًّا من الغنيِّ والفقير لا بدَّ له من صبرٍ وشكرٍ، فإنّ الإيمان نصفان: نصفٌ صبرٌ، ونصفٌ شكرٌ. بل قد يكون قسط الغنيِّ من الصّبر أوفر، لأنّه يصبر عن قدرةٍ، فصبره أتمُّ من صبرِ من يصبر عن عَجْزٍ. ويكون شكر الفقير أتمّ؛ لأنّ الشُّكر٥ هو استفراغ الوسع في طاعة الله، والفقير أعظم فراغًا للشُّكر من الغنيِّ. فكلاهما لا تقوم قامةُ إيمانه إلّا على ساقَي الصّبر والشُّكر.

نعم، الذي يُحِيل٦ النّاس من هذه المسألة: فرعًا من الشُّكر، وفرعًا من

  1. (١) شطب عليها في ش.
  2. (٢) ليست في ش، د.
  3. (٣) تكلم شيخ الإسلام على هذه المسألة في مواضع. انظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ١٢٢ - ١٣٢، ١٩٥)، و«مختصر الفتاوى المصرية» (ص ٩٥، ٥٧٢).
  4. (٤) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٨٠).
  5. (٥) «أتم لأن الشكر» ساقطة من ش، د.
  6. (٦) رسمها في ل، ش يحتمل هذه القراءة. والمعنى: أن الناس جعلوا الجمع بين الصبر والشكر محالًا، فأخذوا في الترجيح بينهما. والكلمة ساقطة من د. وفي المطبوع: «يحكي» خلاف الأصول والسياق. و«فرعًا» كذا بالنصب في الأصول، والسياق يقتضي الرفع.
238

الصّبر، وأخذوا في التّرجيح بينهما، فجرّدوا غنيًّا مُنفِقًا متصدِّقًا، باذلًا مالَه في وجوه القُرَب، شاكرًا لله عليه. وفقيرًا متفرِّغًا لطاعة الله ولأوراد العبادات، صابرًا على فقره. فهل هو أكملُ من ذلك الغنيِّ، أم الغنيِّ أكملُ منه؟

فالصّواب في مثل هذا: أنّ أكملَهما أطوعُهما، فإن تساوتْ طاعتهما تساوتْ درجاتُهما. والله أعلم١.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (الفقر اسمٌ للبراءة من الملكة).

عدل الشّيخ ﵀ عن لفظ «عدم الملكة» إلى قوله: «البراءة من الملكة»، لأنّ عدم الملكة ثابتٌ في نفس الأمر لكلِّ أحدٍ سوى الله تعالى، فالله سبحانه هو المالك حقيقةً. فعدمُ الملكة أمرٌ ثابتٌ لكلِّ ما سواه لذاته. والكلام في الفقر الذي يُمدَح به صاحبه: هو فقر الاختيار، وهو أخصُّ من مطلق الفقر، وهو براءة العبد من دعوى الملك، بحيث لا يُنازِع مالكَه الحقَّ.

ولمّا كانت نفس الإنسان ليست له، وإنّما هي ملكٌ لله. فما لم يخرج عنها ويُسلِّمها لمالكِها الحقِّ: لم يثبتْ له في الفقر قدمٌ. فلذلك كان أوّلُ قَدَمِ الفقر الخروجَ عن النّفس، وتسليمها لمالكها ومولاها، فلا يخاصم لها، ولا يتوكَّل لها،

  1. (١) «والله أعلم» ليست في د.
  2. (٢) (ص ٥٦).
239

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي