الصّبر، وأخذوا في التّرجيح بينهما، فجرّدوا غنيًّا مُنفِقًا متصدِّقًا، باذلًا مالَه في وجوه القُرَب، شاكرًا لله عليه. وفقيرًا متفرِّغًا لطاعة الله ولأوراد العبادات، صابرًا على فقره. فهل هو أكملُ من ذلك الغنيِّ، أم الغنيِّ أكملُ منه؟
فالصّواب في مثل هذا: أنّ أكملَهما أطوعُهما، فإن تساوتْ طاعتهما تساوتْ درجاتُهما. والله أعلم١.
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (الفقر اسمٌ للبراءة من الملكة).
عدل الشّيخ ﵀ عن لفظ «عدم الملكة» إلى قوله: «البراءة من الملكة»، لأنّ عدم الملكة ثابتٌ في نفس الأمر لكلِّ أحدٍ سوى الله تعالى، فالله سبحانه هو المالك حقيقةً. فعدمُ الملكة أمرٌ ثابتٌ لكلِّ ما سواه لذاته. والكلام في الفقر الذي يُمدَح به صاحبه: هو فقر الاختيار، وهو أخصُّ من مطلق الفقر، وهو براءة العبد من دعوى الملك، بحيث لا يُنازِع مالكَه الحقَّ.
ولمّا كانت نفس الإنسان ليست له، وإنّما هي ملكٌ لله. فما لم يخرج عنها ويُسلِّمها لمالكِها الحقِّ: لم يثبتْ له في الفقر قدمٌ. فلذلك كان أوّلُ قَدَمِ الفقر الخروجَ عن النّفس، وتسليمها لمالكها ومولاها، فلا يخاصم لها، ولا يتوكَّل لها،
(١) «والله أعلم» ليست في د.
(٢) (ص ٥٦).
ولا يُحاجُّ عنها ولا ينتصر١ لها، بل يُفوِّض٢ ذلك لمالكها٣ وسيِّدها.
قال بُندار بن الحسين ﵀: لا تُخاصِمْ لنفسك، فإنّها ليست لك، دَعْها لمالكها يفعَلْ بها ما يريد٤.
وقد أجمعت٥ هذه الطّائفة أنّه لا وصولَ إلى الله إلّا من طريق الفقر، ولا دخولَ عليه إلّا من بابه.
فصل
قال٦: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: فقر الزُّهّاد. وهو قبض اليد عن الدُّنيا ضبطًا أو طلبًا، وإسكاتُ اللِّسان عنها مدحًا أو ذمًّا، والسّلامة منها طلبًا أو تركًا. وهذا هو الفقر الذي تكلّموا في شرفه).
الدُّنيا عند القوم: ما سوى الله من المال والجاه والصُّور والمراتب. واختلف٧ المتكلِّمون فيها على قولين، حكاهما أبو الحسن الأشعريُّ ﵀ في «مقالاته»٨: