ولا يُحاجُّ عنها ولا ينتصر١ لها، بل يُفوِّض٢ ذلك لمالكها٣ وسيِّدها.
قال بُندار بن الحسين ﵀: لا تُخاصِمْ لنفسك، فإنّها ليست لك، دَعْها لمالكها يفعَلْ بها ما يريد٤.
وقد أجمعت٥ هذه الطّائفة أنّه لا وصولَ إلى الله إلّا من طريق الفقر، ولا دخولَ عليه إلّا من بابه.
فصل
قال٦: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: فقر الزُّهّاد. وهو قبض اليد عن الدُّنيا ضبطًا أو طلبًا، وإسكاتُ اللِّسان عنها مدحًا أو ذمًّا، والسّلامة منها طلبًا أو تركًا. وهذا هو الفقر الذي تكلّموا في شرفه).
الدُّنيا عند القوم: ما سوى الله من المال والجاه والصُّور والمراتب. واختلف٧ المتكلِّمون فيها على قولين، حكاهما أبو الحسن الأشعريُّ ﵀ في «مقالاته»٨:
(٨) ذكر الأشعري في «مقالات الإسلاميين» (ص ٤٤٣) قولين في الدنيا: الأول هو الثاني هنا. ولكن الثاني ليس اسمًا للزمان بل ما خلقه الله قبل مجيء الآخرة.
أحدهما: أنّها اسمٌ لمدّة بقاء هذا١ العالم.
والثّاني: أنّها اسمٌ لما بين السّماء والأرض، فما فوق السّماء ليس من الدُّنيا، وما تحت الأرض ليس منها.
فعلى الأوّل: تكون الدُّنيا زمانًا. وعلى الثّاني: تكون مكانًا.
ولمّا كان لها تعلُّقٌ بالجوارح والقلب واللِّسان، كان حقيقة الفقر: تعطيل٢ هذه الثّلاثة عن تعلُّقها بها وسَلْبها منها، فلذلك قال: (قبض اليد عن الدُّنيا ضبطًا أو طلبًا). يعني يقبض يدَه عن إمساكها إذا حصلت له، فإذا قبض يدَه عن الإمساك جاد بها. وإن كانت غير حاصلةٍ له كفَّ يدَه عن طلبها، فلا يطلب معدومها، ولا يبخل بموجودها.
وأمّا تعطيلها عن٣ اللِّسان: فأن٤ لا يمدحها ولا يذمّها، فإنّ اشتغاله بمدحها أو ذمِّها دليلُ محبّتها ورغبته فيها، فإنّ من أحبّ شيئًا أكثر من ذكرِه. وإنّما اشتغل بذمِّها حيث فاتته، كمن طلب العنقود فلم يصل إليه، فقال: هو حامضٌ. ولا يتصدّى لذمِّ الدُّنيا إلّا راغبٌ محبٌّ مفارقٌ، فالواصل٥ مادحٌ، والمفارق ذامٌّ.