مدارج السالكين

أحدهما: أنّها اسمٌ لمدّة بقاء هذا١ العالم.

والثّاني: أنّها اسمٌ لما بين السّماء والأرض، فما فوق السّماء ليس من الدُّنيا، وما تحت الأرض ليس منها.

فعلى الأوّل: تكون الدُّنيا زمانًا. وعلى الثّاني: تكون مكانًا.

ولمّا كان لها تعلُّقٌ بالجوارح والقلب واللِّسان، كان حقيقة الفقر: تعطيل٢ هذه الثّلاثة عن تعلُّقها بها وسَلْبها منها، فلذلك قال: (قبض اليد عن الدُّنيا ضبطًا أو طلبًا). يعني يقبض يدَه عن إمساكها إذا حصلت له، فإذا قبض يدَه عن الإمساك جاد بها. وإن كانت غير حاصلةٍ له كفَّ يدَه عن طلبها، فلا يطلب معدومها، ولا يبخل بموجودها.

وأمّا تعطيلها عن٣ اللِّسان: فأن٤ لا يمدحها ولا يذمّها، فإنّ اشتغاله بمدحها أو ذمِّها دليلُ محبّتها ورغبته فيها، فإنّ من أحبّ شيئًا أكثر من ذكرِه. وإنّما اشتغل بذمِّها حيث فاتته، كمن طلب العنقود فلم يصل إليه، فقال: هو حامضٌ. ولا يتصدّى لذمِّ الدُّنيا إلّا راغبٌ محبٌّ مفارقٌ، فالواصل٥ مادحٌ، والمفارق ذامٌّ.

  1. (١) «هذا» ليست في ش.
  2. (٢) ل: «تعطل».
  3. (٣) د: «من».
  4. (٤) ش، د: «فإنه».
  5. (٥) ل: «فالمواصل».
241

وأمّا تعطيل القلب منها: فبالسّلامة من آفات طلبها وتركها. فإنّ لطلبها آفات، ولتركها آفات، والفقر سلامة القلب من آفات الطّلب والتّرك، بحيث لا تَحجُبه عن ربِّه بوجهٍ من الوجوه الظّاهرة والباطنة، لا في طلبها وأخذها، ولا في تركها والرّغبة عنها.

فإن قلت: عرفتُ الآفة في أخذها وطلبها، فما وجه الآفة في تركها والرّغبة عنها؟

قلت: من وجوهٍ شتّى:

أحدها: أنّه إذا تركها ــ وهو بشرٌ لا ملكٌ١ ــ تعلّق قلبه بما يُقِيمه ويُقِيتُه٢ ويُعِيشه وما٣ هو محتاجٌ إليه، فيبقى في مجاهدةٍ شديدةٍ مع نفسه لتركِ معلومها وحظِّها من الدُّنيا. وهذه قلّة فقهٍ في الطّريق، بل الفقيه العارف يردُّها عنه٤ بلقمةٍ، كما يردُّ الكلبَ إذا نبحَ عليه بكسرةٍ، ولا يقطع زمانَه بمجاهدته ومدافعته، بل أعطاها٥ حظَّها، وطالبَها بما عليها من الحقِّ.

هذه طريقة الرُّسل٦ صلّى الله عليهم وسلّم، وهي طريقة العارفين من أرباب السُّلوك، كما قال النّبيُّ ﷺ: «إنّ لنفسِك عليك حقًّا، ولزوجِك عليك

  1. (١) ل: «ملك له».
  2. (٢) ل: «يعينه».
  3. (٣) الواو ساقطة من ش، د.
  4. (٤) ل: «عنها».
  5. (٥) ش، د: «أعطها».
  6. (٦) ل: «رسول الله».
242

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي