وأمّا تعطيل القلب منها: فبالسّلامة من آفات طلبها وتركها. فإنّ لطلبها آفات، ولتركها آفات، والفقر سلامة القلب من آفات الطّلب والتّرك، بحيث لا تَحجُبه عن ربِّه بوجهٍ من الوجوه الظّاهرة والباطنة، لا في طلبها وأخذها، ولا في تركها والرّغبة عنها.
فإن قلت: عرفتُ الآفة في أخذها وطلبها، فما وجه الآفة في تركها والرّغبة عنها؟
قلت: من وجوهٍ شتّى:
أحدها: أنّه إذا تركها ــ وهو بشرٌ لا ملكٌ١ ــ تعلّق قلبه بما يُقِيمه ويُقِيتُه٢ ويُعِيشه وما٣ هو محتاجٌ إليه، فيبقى في مجاهدةٍ شديدةٍ مع نفسه لتركِ معلومها وحظِّها من الدُّنيا. وهذه قلّة فقهٍ في الطّريق، بل الفقيه العارف يردُّها عنه٤ بلقمةٍ، كما يردُّ الكلبَ إذا نبحَ عليه بكسرةٍ، ولا يقطع زمانَه بمجاهدته ومدافعته، بل أعطاها٥ حظَّها، وطالبَها بما عليها من الحقِّ.
هذه طريقة الرُّسل٦ صلّى الله عليهم وسلّم، وهي طريقة العارفين من أرباب السُّلوك، كما قال النّبيُّ ﷺ: «إنّ لنفسِك عليك حقًّا، ولزوجِك عليك
(١) ل: «ملك له».
(٢) ل: «يعينه».
(٣) الواو ساقطة من ش، د.
(٤) ل: «عنها».
(٥) ش، د: «أعطها».
(٦) ل: «رسول الله».
حقًّا، ولضيفك عليك حقًّا، فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه»١.
والعارف البصير يجعل عوضَ مجاهدتِه لنفسه في ترك شهوةٍ مباحةٍ: مجاهدتَه لأعداء الله من شياطين الإنس والجنِّ، وقُطّاعِ الطّريق على القلوب، كأهل البدع من بني العلم وبني٢ الإرادة، ويستفرغ قواه في حربهم ومجاهدتهم، ويتقوّى على حربهم بإعطاء النّفس حقَّها من المباح، ولا يشتغل بها.
ومن آفات التّرك: تطلُّعه إلى ما في أيدي النّاس إذا مسّته٣ الحاجة إلى ما تركه، فاستدامتُها كان أنفعَ له من هذا التّرك.
ومن آفات تركِها وعدمِ أخذها: ما يداخله من الكبر والعُجْب والزّهو. وهذا يقابل الزُّهدَ فيها وترْكَها، كما أنّ كَسْرة٤ الأخذ وذلّته٥ وتواضعه يقابل الأخذ، ففي الأخذ آفاتٌ، وفي التّرك آفاتٌ.
فالفقر الصّحيح: السّلامة من آفات الأخذ والتّرك، وهذا لا يحصل إلّا بفقهٍ في الفقر.
قوله: (فهذا هو الفقر الذي تكلّموا في شرفه). يعني تكلّم فيه أرباب السُّلوك وفضّلوه ومدحوه.
(١) أخرجه البخاري (١٩٦٨، ٦١٣٩) من حديث سلمان الفارسي وأبي الدرداء ﵄.
(٢) ل: «ولفي»، وهو خطأ. فالمقصود هنا: أصحاب العلم وأصحاب الإرادة.