مدارج السالكين

حقًّا، ولضيفك عليك حقًّا، فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه»١.

والعارف البصير يجعل عوضَ مجاهدتِه لنفسه في ترك شهوةٍ مباحةٍ: مجاهدتَه لأعداء الله من شياطين الإنس والجنِّ، وقُطّاعِ الطّريق على القلوب، كأهل البدع من بني العلم وبني٢ الإرادة، ويستفرغ قواه في حربهم ومجاهدتهم، ويتقوّى على حربهم بإعطاء النّفس حقَّها من المباح، ولا يشتغل بها.

ومن آفات التّرك: تطلُّعه إلى ما في أيدي النّاس إذا مسّته٣ الحاجة إلى ما تركه، فاستدامتُها كان أنفعَ له من هذا التّرك.

ومن آفات تركِها وعدمِ أخذها: ما يداخله من الكبر والعُجْب والزّهو. وهذا يقابل الزُّهدَ فيها وترْكَها، كما أنّ كَسْرة٤ الأخذ وذلّته٥ وتواضعه يقابل الأخذ، ففي الأخذ آفاتٌ، وفي التّرك آفاتٌ.

فالفقر الصّحيح: السّلامة من آفات الأخذ والتّرك، وهذا لا يحصل إلّا بفقهٍ في الفقر.

قوله: (فهذا هو الفقر الذي تكلّموا في شرفه). يعني تكلّم فيه أرباب السُّلوك وفضّلوه ومدحوه.

  1. (١) أخرجه البخاري (١٩٦٨، ٦١٣٩) من حديث سلمان الفارسي وأبي الدرداء ﵄.
  2. (٢) ل: «ولفي»، وهو خطأ. فالمقصود هنا: أصحاب العلم وأصحاب الإرادة.
  3. (٣) ش، د: «مسه».
  4. (٤) ل: «كثرة». والكسرة: بمعنى الانكسار.
  5. (٥) ل: «وذله به».
243

(الدّرجة الثّانية: الرُّجوع إلى السَّبق بمطالعة الفَضْل. وهو يُورِث الخلاصَ من رؤية الأعمال، ويقطع شهودَ الأحوال، ويُمحِّص من أدناس مطالعة المقامات)١.

يريد بالرُّجوع إلى السّبق: الالتفات إلى ما سبقت به السّابقة من الله بمطالعة فضله ومنّته وجوده، وأنّ العبد وكلّ ما فيه من خيرٍ فهو محضُ جود الله وإحسانه. وليس للعبد من ذاته سوى العدم، وذاتُه وصفاته وإيمانه وأعماله كلُّها من فضل الله له. فإذا شهدَ هذا وأحضرَه قلبه وتحقَّق به: خلَّصه من رؤية أعماله، فإنّه لا يراها إلّا من الله وبالله، وليست منه هو٢ ولا به.

واتّفقتْ كلمة الطّائفة على أنّ رؤية الأعمال حجابٌ بين العبد وبين الله، ويُخلِّصه منها شهودُ السَّبق ومطالعةُ الفضل.

وقوله: (ويقطع شهودَ الأحوال).

لأنّه إذا طالع سبْقَ فضْلِ الله علم أنّ كلّ ما حصل له من حالٍ أو غيره فهو محضُ جُودِه، فلا يشهد له حالًا مع الله ولا مقامًا، كما لم يشهد له عملًا. فقد جعل عُدَّتَه للقاء ربِّه فقْرَه من أعماله وأحواله، فهو لا يَقْدَم عليه إلّا بالفقر المحض، وهو العلاقة التي بينه وبين ربِّه، والنِّسبة التي يُنسَب بها إليه، والباب الذي يدخل منه عليه.

وكذلك قوله: (يُمحِّص من أدناس مطالعة المقامات).

هو من جنس التّخلُّص من رؤية الأعمال، والانقطاعِ عن رؤية شهود

  1. (١) «المنازل» (ص ٥٦).
  2. (٢) «هو» ليست في د.
244

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي