ببغداد، وأبو عبد الله بن الجلا بالشّام١. وله كلامٌ رفيعٌ عالٍ في التّصوُّف والمعرفة، وكان شديدَ الوصيّة باتِّباع السُّنّة، وتحكيمها٢ ولزومها. ولمّا حضرتْه الوفاة مزَّق ابنُه قميصًا على نفسه، ففتح أبو عثمان عينيه وهو في السِّياق، فقال: يا بُنيَّ خلافُ السُّنّة علامة في الظّاهر، رياء في الباطن٣.
فصل
قال٤: (الدّرجة الثّالثة: صحة٥ الاضطرار، والوقوع في يد٦ التّقطُّع الوحدانيِّ، والاحتباس في بَيداءِ قَيْد التّجريد. وهذا فقر الصُّوفيّة).
الاضطرار: شهود كمال الضّرورة والفاقةِ علمًا وحالًا.
ويريد بالوقوع في يد التّقطُّع الوحدانيِّ: حضرة الجمع التي ليس عندها أغيارٌ، فهي منقطعةٌ عن الأغيار، وحدانيّةٌ بنفسها. والوقوع في يدها: الاستسلام والإذعان لها، والدُّخول في رِقِّها.
وقد تقدَّم أنّ حضرة الجمع عندهم هي شهود الحقيقة الكونيّة، ورؤيتها بنور الكشف، حيث يشهدها منشأ جميع الكائنات، والكائنات عدمٌ بالنِّسبة إليها.
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي «الرسالة القشيرية» (ص ١٥٨): «خلاف السنة في الظاهر، علامة رياء في الباطن». ونحوه في «حلية الأولياء» (١٠/ ٢٥٩).
(٤) «المنازل» (ص ٥٦).
(٥) «صحة» ليست في ل.
(٦) د: «بيداء».
وأمّا الاحتباس في بَيْداء قيدِ التّجريد: فهو تجريد الفردانيّة أن يشهد معها غيرَها، وهو الفناء عن شهود السِّوى. وسُمِّي ذلك احتباسًا لأنّه منع نفسَه عن شهودِ الأغيار، وجعلَ للتّجريد قيدًا، وهو التّقيُّد بشهود الحقيقة.
وجعل للقيد بيداء لوجهين:
أحدهما: أنّ الأغيار تبيد فيه وتنعدم، ولا يكون معه سواه.
والثّاني: لسعته وفضائه، فصاحبُ مشهدِه في بيداءَ واسعةٍ وإن احتبسَ في قيد شهوده.
وقوله: (وهذا فقر الصُّوفيّة)، قد يُفهم منه: أنّ التّصوُّف أعلى عنده من الفقر، فإنّ هذه الدّرجة الثّالثة ــ التي هي أعلى درجات الفقر عنده ــ هي من بعض مقامات الصُّوفيّة.
وطائفةٌ تنازعه في ذلك، وتقول: التّصوُّف دون هذا المقام بكثيرٍ، والتّصوُّف وسيلةٌ إلى هذا الفقر. فإنّ التّصوُّف خلقٌ، وهذا الفقر حقيقةٌ، وغايةٌ لا غايةَ وراءها١.
وقد تقدّم ذكر الخلاف بين القوم في هذه المسألة، وحكينا فيها ثلاثة أقوالٍ: هذين، والثّالث: إنّه لا يُفضَّل أحدهما على الآخر، فإنّ كلّ واحدٍ منهما لا يتمُّ حقيقته٢ إلّا بالآخر. وهذا قول الشّاميِّين. والله أعلم٣.