مدارج السالكين

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: غنى القلب. وهو سلامته من السّبب، ومسالمته للحكم، وخَلاصه من الخصومة).

حقيقة غنى القلب: تعلُّقه بالله وحده. وحقيقة فقره المذموم: تعلُّقه بغيره. فإذا تعلّق بالله حصلت له هذه الثّلاثة التي ذكرها.

سلامته من السّبب أي٢ من التّعلُّق به، لا من القيام به. والغنى عند أهل الغفلة بالسّبب، ولذلك قلوبهم متعلِّقة به. وعند العارفين بالمسبِّب. وكذلك الصِّناعة والقوّة. فهذه الثّلاثة هي جهات الغنى عند النّاس، وهي التي أشار إليها النّبيُّ ﷺ في قوله: «إنّ الصّدقة لا تَحِلُّ لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مكتسبٍ»٣. وهو غنًى بالشّيء، فصاحبها غنيٌّ بها إذا سكنتْ نفسُه إليها، وإن كان سكونه إنما هو إلى ربِّه فهو غنيٌّ به، وكلُّ ما سكنت النّفسُ إليه فهي فقيرةٌ إليه.

وأمّا مسالمة الحكم فعلى نوعين.

أحدهما: مسالمة الحكم الدِّينيِّ الأمريِّ٤. وهي معانقته وموافقته ضدّ محاربته.

والثّاني: [مسالمةُ] الحكم الكونيِّ القدريِّ، الذي يجري عليه بغير اختياره، ولا قدرةَ له على دفعه، وهو غير مأمورٍ بدفعه.

  1. (١) «المنازل» (ص ٥٧).
  2. (٢) «أي» ليست في ش، د.
  3. (٣) أخرجه أحمد (١٧٩٧٢، ٢٣٠٦٣)، وأبو داود (١٦٣٣)، والنسائي (٢٥٩٨) من حديث عبيد الله بن عدي عن رجلين من الصحابة. وإسناده صحيح. ولفظ الحديث: «... لا حظَّ فيها لغنيّ ولا لقويّ مكتسب».
  4. (٤) ل: «مسالمة الأمر».
249

وفي مسالمة الحكم نكتةٌ لا بدَّ منها، وهي تجريد إضافته ونسبته إلى من صدر عنه، بحيث لا ينسبه إلى غيره.

وهذا يتضمّن توحيدَ الرُّبوبيّة في مسالمة الحكم الكونيِّ، وتوحيدَ الإلهيّة في مسالمة الحكم الدِّينيِّ، وهما حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

وأمّا الخلاص من الخصومة فإنّما يُحمد منه الخلاص من الخصومة بنفسه لنفسه، وأمّا إذا خاصم بالله ولله فهذا من كمال العبوديّة. وكان النّبيُّ ﷺ يقول في استفتاحه: «اللهمّ لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكّلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ»١.

قال٢: (الدّرجة الثّانية: غنى النّفس. وهو استقامتها على المرغوب، وسلامتها من الحظوظ٣، وبراءتها من المراياة٤).

جعل الشّيخ ﵀ غنى النّفس فوق غنى القلب. ومعلومٌ أنّ أمور القلب أكملُ وأقوى من أمور النّفس. لكنّ في هذا التّرتيب نكتةً لطيفةً، وهي أنّ النّفس من جند القلب ورعيّته، ومن أشدِّ جنده خلافًا عليه وشِقاقًا له، ومن قِبَلِها تتشوَّشُ٥ عليه المملكة ويدخلُ عليه الدّاخل. فإذا حصل له كمالٌ بالغنى لم يتمَّ له إلّا بغناها أيضًا، فإنّها متى كانت فقيرةً عاد حكم فقرها

  1. (١) أخرجه البخاري (١١٢٠) ومسلم (٧٦٩) من حديث ابن عباس ﵄.
  2. (٢) «المنازل» (ص ٥٧).
  3. (٣) في المنازل: «المسخوط».
  4. (٤) كذا في النسخ و«المنازل» بالياء. والمقصود: «المراءاة».
  5. (٥) ل: «تشوش». د: «يشوش».
250

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي