مدارج السالكين

وفي مسالمة الحكم نكتةٌ لا بدَّ منها، وهي تجريد إضافته ونسبته إلى من صدر عنه، بحيث لا ينسبه إلى غيره.

وهذا يتضمّن توحيدَ الرُّبوبيّة في مسالمة الحكم الكونيِّ، وتوحيدَ الإلهيّة في مسالمة الحكم الدِّينيِّ، وهما حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

وأمّا الخلاص من الخصومة فإنّما يُحمد منه الخلاص من الخصومة بنفسه لنفسه، وأمّا إذا خاصم بالله ولله فهذا من كمال العبوديّة. وكان النّبيُّ ﷺ يقول في استفتاحه: «اللهمّ لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكّلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ»١.

قال٢: (الدّرجة الثّانية: غنى النّفس. وهو استقامتها على المرغوب، وسلامتها من الحظوظ٣، وبراءتها من المراياة٤).

جعل الشّيخ ﵀ غنى النّفس فوق غنى القلب. ومعلومٌ أنّ أمور القلب أكملُ وأقوى من أمور النّفس. لكنّ في هذا التّرتيب نكتةً لطيفةً، وهي أنّ النّفس من جند القلب ورعيّته، ومن أشدِّ جنده خلافًا عليه وشِقاقًا له، ومن قِبَلِها تتشوَّشُ٥ عليه المملكة ويدخلُ عليه الدّاخل. فإذا حصل له كمالٌ بالغنى لم يتمَّ له إلّا بغناها أيضًا، فإنّها متى كانت فقيرةً عاد حكم فقرها

  1. (١) أخرجه البخاري (١١٢٠) ومسلم (٧٦٩) من حديث ابن عباس ﵄.
  2. (٢) «المنازل» (ص ٥٧).
  3. (٣) في المنازل: «المسخوط».
  4. (٤) كذا في النسخ و«المنازل» بالياء. والمقصود: «المراءاة».
  5. (٥) ل: «تشوش». د: «يشوش».
250

عليه، وتشوَّشَ عليه غناه، وكان غناها تمامًا لغناه وكمالًا، وغناه أصلًا لغناها، فمنه يصل الغنى إليها، ومنها يصل الفقر والضّرر والعَنَتُ إليه.

إذا عُرِف هذا، فالشّيخ ﵀ جعل غناها بثلاثة أشياء:

استقامتها على المرغوب، وهو الحقُّ تعالى. واستقامتها عليه: استدامة طلبه، وقطْع المنازل بالسّير إليه.

الثّاني: سلامتها من الحظوظ، وهي تعلُّقاتها الظّاهرة والباطنة بما سوى الله.

الثّالث: براءتها من المراياة، وهي إرادة غير الله بشيءٍ من أعمالها وأقوالها.

فمراياتها دليلٌ على شدّة فقرها. وتعلُّقها بالحظوظ من فقرها أيضًا. وعدم استقامتها على مطلوبها الحقّ أيضًا من فقرها، وذلك يدلُّ على أنّها غير واجدةٍ لله، إذ لو وجدتْه لاستقامتْ على السّير إليه، ولقطعتْ تعلُّقاتِها بحظوظِها، ولمَا أرادتْ بعملها غيرَه.

فلا تستقيم هذه الثّلاثة إلّا لمن قد ظفِرَ بنفسه، ووجد مطلوبه. وما لم يجد ربّه تعالى فلا استقامةَ له، ولا سلامةَ من الحظوظ، ولا براءةَ من الرِّياء.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّالثة: الغنى بالحقِّ. وهو على ثلاث مراتب، المرتبة

  1. (١) «المنازل» (ص ٥٧).
251

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي