مدارج السالكين

والكفرَ به إنكارٌ للصّانع وجحدٌ له؛ وإنّما توحيده إثبات صفات كماله، وتنزيهه عن الشَّبَه١ والنّقائص. فجعل المعطِّلةُ جحدَ الصِّفات وتعطيلَ الصّانع عنها توحيدًا، وجعلوا إثباتها لله تعالى تشبيهًا وتجسيمًا وتركيبًا. فسمَّوا الباطل باسم الحقِّ ترغيبًا فيه وزخرفًا ينفِّقونه٢ به، وسمّوا الحقَّ باسم الباطل تنفيرًا عنه. والنّاس أكثرهم مع ظاهر السِّكَّة٣، ليس لهم نقد النُّقّاد٤ و﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾٥ [الكهف: ١٧].

والمحمود لا يُحمَد على العدم والسُّلوب٦ البتّة، إلّا إذا كانت سلب عيوبٍ ونقائص، تتضمّن إثبات أضدادها من الكمالات الثبوتيّة؛ وإلّا فالسَّلب المحض لا حمد فيه ولا مدح ولا كمال. ولذلك حَمِد نفسَه٧ على عدم اتِّخاذ الولد المتضمِّن لكمال صمديّته وغناه وملكه وتعبُّدِ كلِّ شيءٍ له، فاتِّخاذُ الولد ينافي ذلك، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨]. وحمِد نفسَه على عدم الشّريك، المتضمِّن تفرُّدَه بالرُّبوبيّة والإلهيّة، وتوحُّدَه بصفات

  1. (١) ج، م: "الشبيه".
  2. (٢) م، ش: "ينفقوه"، وكذا كان في ق ثم غُيِّر.
  3. (٣) يعني: الدراهم والدنانير المضروبة. وقد تقدَّم تفسير "السِّكة" (ص ٧).
  4. (٤) ج: "الناقد".
  5. (٥) "المهتدي" هكذا في جميع النسخ ما عدا ع على قراءة أبي عمرو ونافع.
  6. (٦) ج، ع: "السكوت"، تصحيف.
  7. (٧) هكذا في ج. وكذا كان في ق فغيِّر إلى "وكذلك حمده لنفسه" كما في م، ش، ع.
41

الكمال التي لا يوصف بها غيره فيكون شريكًا له؛ فلو عدمها لكان كلُّ موجودٍ أكمل منه، لأنّ الموجود أكمل من المعدوم.

ولهذا لا يحمد نفسَه بعدمٍ إلّا إذا كان متضمِّنًا ثبوتًا، كما حمِد نفسَه بكونه لا يموت لتضمُّنه كمالَ حياته، وحمِد نفسَه بأنه لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ لتضمُّن ذلك كمالَ قيُّوميّته، وحمِد نفسَه بأنّه لا يعزُب عن علمه مثقال ذرّةٍ في الأرض ولا في السّماء١ لكمال علمه وإحاطته، وحمِد نفسَه بأنّه لا يظلم أحدًا لكمال عدله وإحسانه، وحمِد نفسَه بأنّه لا تدركه الأبصار لكمال عظمته، يُرى ولا يُدرَك، كما أنّه يُعلَم ولا يُحاط به علمًا؛ وإلا فمجرَّدُ نفي الرُّؤية ليس بكمالٍ لأنّ العدم لا يُرى، فليس في كون الشّيء لا يُرى كمالٌ البتّة. وإنّما الكمال في كونه لا يحاط به رؤيةً ولا إدراكًا، لعظمته في نفسه وتعاليه عن إدراك المخلوق له. وكذلك حمِد نفسَه بعدم الغفلة والنِّسيان لكمال علمه. فكلُّ سلبٍ في القرآن حمِد به نفسَه فلمضادّته لثبوت ضدِّه، ولتضمُّنه كمالَ ثبوت ضدِّه٢.

فعلمتَ أنّ حقيقةَ الحمد تابعةٌ لثبوت أوصاف الكمال، وأنّ نفيها نفيٌ لحمده، ونفي الحمد مستلزمٌ لثبوت ضدِّه.

فصل

فهذا دلالة الحمد على توحيد الأسماء والصِّفات.

  1. (١) في ع بعده زيادة: "ولا أصغر من ذلك ولا أكبر".
  2. (٢) كذا في النسخ، والأولى: "ولتضمنه ثبوت كمال ضدِّه" كما نُبِّه في حاشية المطبوع. وانظر: "بدائع الفوائد" (١/ ٢٨٤).
42

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي