المتكلِّمين في هذا العلم جعلوا المريد والمراد اثنين، وجعلوا مقام المراد فوق مقام المريد، وإنّما أشاروا باسم المراد إلى الضَّنائن الذين ورد فيهم الخبر).
قلت: وجه استشهاده١ بالآية: أنّ الله ﷾ ألقى إلى رسوله كتابه، وخصَّه بكرامته، وأهَّلَه لرسالته ونبوّته، من غير أن يكون ذلك منه على رجاءٍ، أو نالَه بكسبٍ، أو توسَّلَ إليه بعملٍ، بل هو أمرٌ أريد به، فهو المراد على الحقيقة.
وقوله: (إن أكثرهم جعلوا المريد والمراد اثنين)، فهو تعرُّضٌ إلى أنّ منهم من اكتفى عن ذكر مقام المراد بمنزلة الإرادة، لأنّ صاحبها مريدٌ مرادٌ٢.
وأمّا إشارتهم إلى الضَّنائن، فالمراد به: حديثٌ يُروى٣ مرفوعًا إلى النّبيِّ ﷺ: «إنّ لله ضَنائنَ من خَلْقه: يُحيِيهم في عافيةٍ، ويُمِيتُهم في عافيةٍ»٤. والضّنائن: الخصائص. يقال: هو ضِنَّتي من بين النّاس ــ بكسر الضّاد ــ أي
(١) ش، د: «استدلاله».
(٢) ش: «مرادًا». د: «أو مرادًا».
(٣) ش، د: «يروى به».
(٤) «ويميتهم في عافية» ليست في ش، د. والحديث أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٣٤٢٥) و«الأوسط» (٦٣٦٩)، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» (٤/ ١٥٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٦) من حديث ابن عمر ﵄. وإسناده ضعيف. قال العقيلي: مسلم بن عبد الله مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ، والرواية في هذا الباب لينة. وضعَّفه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٦٨)، والألباني في «الضعيفة» (١٢٣٩).
الذي أختصُّ به وأضَنُّ بجودته، أي أبخل بها أن أُضيِّعها.
وقد مُثِّل المريد والمراد بقومٍ بعث إليهم سلطانهم يستدعيهم إلى حضرته من بلادٍ نائيةٍ، وأرسل إليهم بالأدلّة والأموال، والمراكب وأنواع الزّاد، وأمرهم بأن يتجشَّموا إليه قَطْع السُّبل والمفاوز، ويجتهدوا في المسير حتّى يلحقوا به، وبعث خيلًا له ومماليكَ إلى طائفةٍ منهم، فقال: احمِلُوهم على هذه الخيل التي تَسبِق الرِّكاب، واخْدُموهم في طريقهم، ولا تَدَعُوهم يُعانوا مؤنةَ الشّدِّ والرَّبط، بل إذا نزلوا فأَرِيحُوهم، ثمّ احْمِلوهم حتّى تُقدِّموهم عليّ. فلم يجد هؤلاء من مجاهدةِ السّير ومكابدتِه ووَعْثَاء١ السّفر ما وجده غيرهم.
ومن النّاس من يقول: المريد ينتقل من منزلة الإرادة إلى أن يصير مرادًا، فكان محبًّا فصار محبوبًا. فكلُّ مريدٍ صادقٍ نهايةُ أمرِه أن يكون مرادًا. وأكثرهم على هذا.
وصاحب «المنازل» كأنّ عنده المراد هو المجذوب، والمريد: السّالك على طريق الجادّة.
فصل
قال٢: (وللمراد ثلاث درجاتٍ: الدرجة الأولى: أن يُعصَم العبد وهو يستشرِف للجفاء اضطرارًا، بتنغيص الشّهوات، وتعويقِ الملاذّ، وسدِّ مسالك المعاطبِ عليه إكراهًا).