يعني: أنّ العبد إذا استشرفت نفسه للجفاء بينه وبين سيِّده ــ بموافقة شهواته ــ عصَمَه سيِّده اضطرارًا، بأن يُنغِّص عليه الشّهوات، فلا تصفو له البتّةَ. بل لا ينال ما ينال منها إلّا مَشُوبًا بأنواع التّنغيص الذي ربّما أربى على لذّتها واستهلكها، بحيث تكون اللّذّة في جنب التّنغيص كالخِلْسة والغَفْوة.
وكذلك يُعوِّق الملاذَّ عليه، بأن يحول بينه وبينها، حتّى لا يركَنَ إليها ويطمئنَّ إليها١ ويساكنها، فيحول بينه وبين أسبابها. فإن هُيِّئت له قَيَّضَ له مدافِعَ تحولُ بينه وبين استيفائها، فيقول: من أين دُهِيتُ٢؟ وإنّما هي عينُ العناية والحِمية والصِّيانة.
وكذلك يَسُدُّ عنه طُرقَ المعاصي ــ فإنّها طُرق المعاطب ــ وإن كان كارهًا، عنايةً به٣ وصيانةً له.
فصل
(الدّرجة الثّانية: أن يضعَ عن العبد عوارضَ النّقص، ويُعافِيَه من سِمَة اللّائمة، ويُملِّكه عواقبَ الهفوات. كما فعل بسليمان ﵇ حين قتلَ الخيلَ فحملَه على الرِّيح الرُّخاء، فأغناه عن الخيل. وفعل بموسى ﵇ حين ألقى الألواحَ وأخذ برأس أخيه، ولم يَعتِب عليه كما عتَبَ على آدم ﵇ وداود ويونس عليهم الصلاة والسّلام)٤.
(١) «إليها» ليست في ش، د.
(٢) أي أُصِبتُ بداهية.
(٣) «به» ليست في ل.
(٤) «المنازل» (ص ٥٨).
الفرق بين هذه الدّرجة والّتي قبلها: أنّ في التي قبلها منعَ من مواقعة أسباب الجفاء اضطرارًا، وفي هذه: إذا عرضتْ له أسبابُ النّقيصة التي يستحقُّ عليها اللّائمة، لم يَعتِبْه عليها ولم يَلُمْه. وهذا نوعٌ من الدَّلال، وصاحبه من ضَنائن الله وأحبابه. فإنّ الحبيب يُسامَح بما لا يُسامَح به سواه، لأنّ المحبّة أكبر شفعائه١. وإذا هفا هفوةً ملَّكه عاقبتَها، بأن جعلها سببًا لرِفعته وعلوِّ درجته، فيجعل تلك الهفوة سببًا لتوبةٍ نصوحٍ، وذلٍّ خاصٍّ، وانكسارٍ بين يديه، وأعمالٍ صالحةٍ تزيد في قربه منه أضعافَ ما كان عليه قبل الهفوة. فتكون تلك الهفوة أنفعَ له من حسناتٍ كثيرةٍ. وهذا من علامات اعتناء الله بالعبد، وكونِه من أحبّائه وحزبه.
وقد استشهد الشّيخ ﵀ بقصّة سليمان ﵇، حين ألهَتْه الخيل عن صلاة العصر، فأخذتْه الغضبة لله والحميّة، وحملتْه على أن مَسَحَ عراقيبها وأعناقها بالسّيف، وأتلفَ مالًا شَغلَه عن الله في الله، فعوَّضه الله منه أن حمَلَه على متن الرِّيح. فملّكه الله تعالى عاقبةَ هذه الهفوة. وجعلها سببًا لنيل تلك٢ المنزلة الرّفيعة.
واستشهد بقصّة موسى ﵇، حين ألقى الألواحَ ــ وفيها كلام الله ــ عن رأسه وكسَرها، وجرَّ بلحيةِ أخيه وهو نبيٌّ مثله، ولم يَعتِبْه الله على ذلك كما عتبَ على آدم ﵇ في أكل لقمةٍ من الشّجرة، وعلى نوحٍ حين سأل ربّه في ابنه أن يُنجِيه، وعلى داود في شأن امرأة أوريا، وعلى يونس في شأن المغاضبة.