مدارج السالكين

الفرق بين هذه الدّرجة والّتي قبلها: أنّ في التي قبلها منعَ من مواقعة أسباب الجفاء اضطرارًا، وفي هذه: إذا عرضتْ له أسبابُ النّقيصة التي يستحقُّ عليها اللّائمة، لم يَعتِبْه عليها ولم يَلُمْه. وهذا نوعٌ من الدَّلال، وصاحبه من ضَنائن الله وأحبابه. فإنّ الحبيب يُسامَح بما لا يُسامَح به سواه، لأنّ المحبّة أكبر شفعائه١. وإذا هفا هفوةً ملَّكه عاقبتَها، بأن جعلها سببًا لرِفعته وعلوِّ درجته، فيجعل تلك الهفوة سببًا لتوبةٍ نصوحٍ، وذلٍّ خاصٍّ، وانكسارٍ بين يديه، وأعمالٍ صالحةٍ تزيد في قربه منه أضعافَ ما كان عليه قبل الهفوة. فتكون تلك الهفوة أنفعَ له من حسناتٍ كثيرةٍ. وهذا من علامات اعتناء الله بالعبد، وكونِه من أحبّائه وحزبه.

وقد استشهد الشّيخ ﵀ بقصّة سليمان ﵇، حين ألهَتْه الخيل عن صلاة العصر، فأخذتْه الغضبة لله والحميّة، وحملتْه على أن مَسَحَ عراقيبها وأعناقها بالسّيف، وأتلفَ مالًا شَغلَه عن الله في الله، فعوَّضه الله منه أن حمَلَه على متن الرِّيح. فملّكه الله تعالى عاقبةَ هذه الهفوة. وجعلها سببًا لنيل تلك٢ المنزلة الرّفيعة.

واستشهد بقصّة موسى ﵇، حين ألقى الألواحَ ــ وفيها كلام الله ــ عن رأسه وكسَرها، وجرَّ بلحيةِ أخيه وهو نبيٌّ مثله، ولم يَعتِبْه الله على ذلك كما عتبَ على آدم ﵇ في أكل لقمةٍ من الشّجرة، وعلى نوحٍ حين سأل ربّه في ابنه أن يُنجِيه، وعلى داود في شأن امرأة أوريا، وعلى يونس في شأن المغاضبة.

  1. (١) ل: «شفايعه».
  2. (٢) «تلك» ليست في ش، د.
258

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: وكذلك لطَمَ عينَ ملك الموت ﵇ ففقأها، ولم يَعتب عليه ربُّه. وفي ليلة الإسراء عاتبَ ربّه في النّبيِّ ﷺ إذ رفع فوقه، ورفع صوته بذلك، ولم يَعتبه. قال: لأنّ موسى ﵊ قام تلك المقاماتِ العظيمةَ التي أوجبت له هذا الدَّلال، فإنّه قاومَ أكبرَ أعداء الله تعالى فرعون، وتصدّى له ولقومه، وعالج بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، وجاهد في الله أعداء الله أشدَّ الجهاد، وكان شديد الغضب لربِّه، فاحتملَ له ما لا يحتمله لغيره١. وذو النُّون لمّا لم يكن في هذا المقام سَجَنَه في بطن الحوت من غضبه، وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا.

فصل

قال٢: (الدّرجة الثّالثة: اجتباء الحقِّ عبدَه، واستخلاصه إيّاه بخالصته. كما ابتدأ موسى وقد خرج يقتبس نارًا، فاصطنعه لنفسه وأبقى منه رسمًا مُعارًا).

الاجتباء: الاصطفاء والإيثار والتّخصيص، وهو افتعال من جَبيتُ الشّيء: إذا حُزتَه إليك، كجباية المال وغيره.

والاصطناع أيضًا: الاصطفاء والاختيار، يعني أنّه اصطفى موسى ﵇، واستخلصه لنفسه، وجعله له خالصًا من غير سببٍ كان من موسى ولا وسيلةٍ. فإنّه خرج ليقتبس النّار، فرجع وهو كليم الواحد القهّار، وأكرمُ الخلق عليه، ابتداءً منه سبحانه، من غير سابقةِ استحقاقٍ، ولا تقدُّمِ وسيلةٍ.

  1. (١) «لغيره» ليست في ش، د.
  2. (٢) «المنازل» (ص ٥٩).
259

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي