مدارج السالكين

وفي مثل هذا قيل١:

أيُّها العبد كُنْ لما لستَ ترجومن صلاحٍ أرجى لما أنت راجي
إنّ موسى أتى ليقبِسَ٢ نارًامن ضياءٍ رآه والليلُ داجي
فانثنى راجعًا، وقد كلَّم اللّــه وناجاه وَهْو خير مُناجي

وقوله: (وأبقى منه رسمًا معارًا).

يحتمل أن يريد بالرّسم: البقيّة التي تقدَّمه بها محمّدٌ ﷺ، ورُفِع فوقه بدرجاتٍ لأجل بقائها معه.

ويحتمل ــ وهو الأظهر ــ أنّه أخذه٣ من نفسه، واصطنعه لنفسه، واختاره من بين العالمين، وخصّه بكلامه، ولم يُبْقِ له من نفسه إلّا رسمًا مجرّدًا يصحب به الخلقَ، وتجري عليه فيه أحكام البشريّة، إتمامًا٤ لحكمته، وإظهارًا لقدرته. فهو عاريةٌ معه، فإذا قضى ما عليه استردَّ منه ذلك الرّسم، وجعله من ماله، فتكمَّلتْ٥ إذ ذاك مرتبة الاجتباء ظاهرًا وباطنًا، حقيقةً ورسمًا، ورجعت العاريَّة إلى مالكها الحقِّ، الذي إليه يرجع الأمر كلُّه. فكما ابتدأتْ منه عادتْ إليه.

وموسى ﵇ كان في مظهر الجلال، ولهذا كانت شريعته شريعة

  1. (١) الأبيات بلا نسبة في «الفرج بعد الشدة» للتنوخي (٥/ ٧٤)، و«سراج الملوك» للطرطوشي (ص ٦٦٣)، و«تاريخ دمشق» (٦١/ ٥٦).
  2. (٢) ل: «ليقتبس»، خطأ.
  3. (٣) ش، د: «أخذ».
  4. (٤) في النسخ: «وإتمامًا».
  5. (٥) د: «فتكلمت»، تحريف.
260

جلالٍ وقهرٍ. أُمروا بقتل نفوسهم، وحُرِّمت عليهم الشُّحوم وذواتُ الظُّفر وغيرها من الطّيِّبات، وحُرِّمت عليهم الغنائم، وعُجِّلت لهم من العقوبات ما عُجِّل، وحُمِّلوا من الآصار والأغلال ما لم يُحمَّله غيرُهم. وكان موسى ﷺ من أعظم خلق الله هيبةً ووقارًا، وأشدِّهم بأسًا وغضبًا لله، وبطشًا١ بأعداء الله، وكان لا يُستطاع النّظر إليه.

وعيسى ﷺ كان في مظهر الجمال، وكانت شريعته شريعةَ فضلٍ وإحسانٍ، وكان لا يقاتل ولا يحارب، وليس في شريعته قتالٌ البتّةَ. والنّصارى يُحرَّم عليهم في دينِهم القتالُ، وهم به عصاةٌ لشرعه، فإنّ الإنجيل يأمرهم فيه: أنّ من لَطمَك على خدِّك الأيمن فأَدِرْ له خدَّك الأيسر، ومن نازعَك ثوبك فأعْطِه رداءك، ومن سَخَّرك ميلًا فامْشِ معه ميلين، ونحو هذا٢. وليس في شريعتهم مشقّةٌ ولا آصارٌ ولا أغلالٌ، وإنّما النّصارى ابتدعوا تلك الرّهبانيّة من قِبلِ أنفسهم، ولم تُكتَب عليهم.

وأمّا نبيُّنا ﷺ فكان في مظهر الكمال، الجامع لتلك القوّة والعدل والشِّدّة في الله، وهذا اللِّين والرّأفة والرّحمة، وشريعته أكمل الشّرائع. فهو نبيُّ الكمال، وشريعته شريعة الكمال، وأمّته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات. ولذلك تأتي شريعتُه بالعدل إيجابًا له وفرضًا، وبالفضل ندبًا إليه واستحبابًا، وبالشِّدّة في موضع الشِّدّة، وباللِّين في موضع اللِّين، ووَضْعِ السّيف موضعَه، ووَضْعِ النّدى موضعَه. فيذكر الظُّلم ويُحرِّمه، والعدلَ ويوجبه. والفضلَ ويندب إليه في بعض آية، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ

  1. (١) ل: «وبطشا لله».
  2. (٢) انظر: «إنجيل متى» (٥: ٩).
261

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي