الكمال التي لا يوصف بها غيره فيكون شريكًا له؛ فلو عدمها لكان كلُّ موجودٍ أكمل منه، لأنّ الموجود أكمل من المعدوم.
ولهذا لا يحمد نفسَه بعدمٍ إلّا إذا كان متضمِّنًا ثبوتًا، كما حمِد نفسَه بكونه لا يموت لتضمُّنه كمالَ حياته، وحمِد نفسَه بأنه لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ لتضمُّن ذلك كمالَ قيُّوميّته، وحمِد نفسَه بأنّه لا يعزُب عن علمه مثقال ذرّةٍ في الأرض ولا في السّماء١ لكمال علمه وإحاطته، وحمِد نفسَه بأنّه لا يظلم أحدًا لكمال عدله وإحسانه، وحمِد نفسَه بأنّه لا تدركه الأبصار لكمال عظمته، يُرى ولا يُدرَك، كما أنّه يُعلَم ولا يُحاط به علمًا؛ وإلا فمجرَّدُ نفي الرُّؤية ليس بكمالٍ لأنّ العدم لا يُرى، فليس في كون الشّيء لا يُرى كمالٌ البتّة. وإنّما الكمال في كونه لا يحاط به رؤيةً ولا إدراكًا، لعظمته في نفسه وتعاليه عن إدراك المخلوق له. وكذلك حمِد نفسَه بعدم الغفلة والنِّسيان لكمال علمه. فكلُّ سلبٍ في القرآن حمِد به نفسَه فلمضادّته لثبوت ضدِّه، ولتضمُّنه كمالَ ثبوت ضدِّه٢.
(٢) كذا في النسخ، والأولى: "ولتضمنه ثبوت كمال ضدِّه" كما نُبِّه في حاشية المطبوع. وانظر: "بدائع الفوائد" (١/ ٢٨٤).
وأمّا دلالة الأسماء الخمسة عليها ــ وهي: الله، والرَّبُّ، والرَّحمن، والرَّحيم، والملك ــ فمبنيٌّ على أصلين:
أحدهما: أنّ أسماء الرّبِّ ﷿ دالّةٌ على صفات كماله، فهي مشتقّةٌ من الصِّفات، فهي أسماءٌ، وهي أوصافٌ. وبذلك كانت حسنى، إذ لو كانت ألفاظًا لا معاني فيها لم تكن حسنى، ولا كانت دالّةً على مدحٍ ولا كمالٍ، ولساغ وقوع أسماء الانتقام والغضب في مقام الرَّحمة والإحسان، وبالعكس؛ فيقال: اللهمّ إنِّي ظلمتُ نفسي، فاغفر لي، إنّك أنت المنتقم! واللهمّ أعطِني، فإنّك أنت الضّارُّ المانع! ونحو ذلك. ونفيُ معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها. قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[الأعراف: ١٨٠].
ولأنّها لو لم تدلَّ على معانٍ وأوصافٍ لم يسُغْ أن يُخبَر عنه١ بمصادرها ويوصف بها، لكن أخبر عن نفسه بمصادرها، وأثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾[الذاريات: ٥٨]، فعُلِم أنّ "القويّ" من أسمائه معناه: الموصوف بالقوّة. وكذلك قوله: ﴿الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾[فاطر: ١٠]، فالعزيز٢ مَن له العزّة. فلولا ثبوت العزَّة والقوّة لم يسمَّ قويًّا ولا عزيزًا٣. وكذلك قوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾[النساء: ١٦٦]، ﴿أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾[هود: ١٤]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾[البقرة: ٢٥٥].