مدارج السالكين

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإحسان. وهي لبُّ الإيمان وروحه وكماله، وهذه المنزلة تجمع جميعَ المنازل، فجميعها منطويةٌ فيها. وكلُّ ما قيل من أوّل الكتاب إلى هاهنا فهو من الإحسان.

قال صاحب «المنازل» ﵀١ ــ وقد استشهد على هذه المنزلة بقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا﴾ [الرحمن: ٦٠]ــ: (فالإحسان: جامعٌ لجميع أبواب الحقائق، وهو أن تعبد الله كأنّك تراه).

فأمّا الآية، فقال ابن عبّاسٍ ﵄ والمفسِّرون: هل جزاء من قال: لا إله إلّا الله وعمل بما جاء به محمّدٌ ﷺ إلّا الجنّة؟٢.

وقد رُوي عن النّبيِّ ﷺ أنّه قرأ ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا﴾ ثمّ قال: «هل تدرون ما قال ربُّكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتّوحيد إلّا الجنّة؟)٣.

  1. (١) (ص ٦٠).
  2. (٢) انظر: «تفسير البغوي» (٤/ ٢٧٦)، و«الدر المنثور» (١٤/ ١٥٠).
  3. (٣) أخرجه البغوي في «تفسيره» (٤/ ٢٧٦) من حديث أنس ﵁، وفي إسناده بشر بن الحسين وهو متروك، بل قال أبو حاتم: يكذب على الزبير. وقال الدارقطني: يروي عن الزبير بواطيل، والزبير ثقة، والنسخة موضوعة. وفي الباب عن ابن عمر وجابر وعلي بن أبي طالب. انظر: «الدر المنثور» (١٤/ ١٤٩، ١٥٠)، و«السلسلة الضعيفة» (٤٩٨٤).
263

وأمّا الحديث فإشارةٌ إلى كمال الحضور مع الله ومراقبته، الجامع لخشيته ومحبّته ومعرفته، والإنابة إليه، والإخلاص له، ولجميع مقامات الإيمان.

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: الإحسان في القصد، بتهذيبه علمًا، وإبرامه عزمًا، وتصفيته حالًا).

يعني: إحسان القصد بثلاثة أشياء:

أحدها: تهذيبه علمًا، بأن يُجعل تابعًا للعلم على مقتضاه، مهذّبًا به، مُنقًّى من شوائب الحظوظ، فلا يَقصِد إلّا ما يجوز في العلم. والعلم هو اتِّباع الأمر والشّرع.

والثّاني: إبرامه عزمًا. والإبرام: الإحكام والقوّة. أي يُقارِنه عزمٌ يُمضِيه، ولا يصحَبه فتورٌ وتَوانٍ يُضعِفه ويُوهِنه.

الثّالث: تصفيته حالًا. أي٢ يكون حال صاحبه صافيًا من الأكدار والشّوائب التي تدلُّ على كَدَر قصده، فإنّ الحال مظهر القصد وثمرتُه، وهو أيضًا مادّته وباعثه، فكلٌّ منهما ينفعل عن الآخر. فصفاؤه وتخليصه من تمام صفاء الآخر وتخليصه.

(الدّرجة الثّانية: الإحسان في الأحوال. وهو أن يراعيها غيرةً، ويسترها تظرُّفًا، ويصحِّحها تحقيقًا)٣.

  1. (١) «المنازل» (ص ٦٠).
  2. (٢) ش: «أن».
  3. (٣) «المنازل» (ص ٦٠). والأفعال فيه بصيغة الخطاب: «تراعيها» و«تسترها» و«تصححها».
264

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي