مدارج السالكين

يريد بمراعاتها حفظَها وصونَها، غيرةً عليها أن تحول، فإنّها تمرُّ مرَّ السّحاب، فإن لم يَرْعَ حقوقَها حالت. ومراعاتها: بدوام الوفاء، وتجنُّب الجفاء.

ويراعيها أيضًا بإكرام نُزُلِها، فإنّها ضيفٌ، والضّيف إن لم يُكْرَم نُزُلُه ارتحل.

ويراعيها أيضًا بضبطِها ملكةً، وشدِّ يديه عليها، وأن لا يسمح بها لقاطعٍ ولا نَاهبٍ.

ويراعيها أيضًا بالانقياد إلى حكمها، والإذعانِ لسلطانها إذا وافق الأمر.

ويراعيها أيضًا بستْرِها تظرُّفًا، وهو أن يسترها عن النّاس ما أمكنَه لئلّا يعلموا بها، ولا يُظهرها إلّا لحجّةٍ أو حاجةٍ أو مصلحةٍ راجحةٍ، فإنّ في إظهارها بدون ذلك آفاتٍ عديدةً، مع تعريضها للُّصوص والسُّرّاق والمُغِيرين.

وإظهار الحال للنّاس عند الصّادقين حمقٌ وعجزٌ، وهو من حظوظ النّفس والشّيطان. وأهل الصِّدق والعزم لها أستَرُ وأكتَمُ من أرباب الكنوز من الأموال لأموالهم، حتّى إنّ منهم من يُظهِر أضدادها نفيًا وجحدًا، وهم أصحاب الملامة، ولهم طريقةٌ معروفةٌ، وكان شيخ هذه الطّائفة أبو عبد الله١ بن مَنازل.

  1. (١) كذا في النسخ. والصواب: أبو محمد عبد الله بن منازل، شيخ الملامتية، صحب حمدونًا القصار، وكان عالمًا كتب الحديث الكثير. مات بنيسابور سنة تسع وعشرين ــ أو ثلاثين ــ وثلاث مئة. انظر: «الرسالة القشيرية» (ص ١٩٩)، و«طبقات الصوفية» للسلمي (ص ٣٦٦). و«منازل» على وزن مساجد، كما في «تاج العروس» (نزل).
265

واتّفقت الطّائفة على أنّ من أطلعَ النّاسَ على حاله مع الله فقد دنَّس طريقته، إلّا لحجّةٍ أو حاجةٍ أو ضرورةٍ.

وقوله: (وتصحيحها تحقيقًا)، أي يجتهد في تحقيق أحواله وتصحيحها وتخليصها، فإنّ الحال قد يمتزج بحقٍّ وباطلٍ، ولا يُميِّزه إلّا أولو البصائر والعلم.

وأهل هذه الطّريقة١ يقولون: إنّ الوارد الذي يبتدئ العبد من جانبه الأيمن والهواتف والخطاب يكون في الغالب حقًّا، والّذي يبتدئ من الجانب الأيسر يكون في الغالب باطلًا وكذبًا. فإنّ أهل اليمين هم أهل الحقِّ، وبأيمانهم يأخذون كتبهم، ونورهم الظّاهر على الصِّراط يكون بأيمانهم. وكان رسول الله ﷺ يُعجِبه التّيمُّن في تنعُّله وترجُّلِه وطهورِه وشأنِه كلِّه٢. والله وملائكته يُصلُّون على مَيامنِ الصُّفوف٣. وأخبر أنّ الشّيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله٤. وحظُّه من ابن آدم٥ جهة الشِّمال، ولهذا تكون

  1. (١) ل: «الطريق».
  2. (٢) كما في حديث عائشة الذي أخرجه البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨).
  3. (٣) أخرجه أبو داود (٦٧٦)، وابن ماجه (١٠٠٥)، وابن حبان (٢١٦٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٣/ ١٠٣) من حديث معاوية بن هشام عن الثوري عن أسامة بن زيد عن عثمان بن عروة عن عروة عن عائشة. قال البيهقي: كذا قال، والمحفوظ بهذا الإسناد عن النبي ﷺ: «إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف»، ومعاوية بن هشام ينفرد بالمتن الأول، فلا أراه محفوظًا. وحسَّنه الحافظ في «الفتح» (٢/ ٢١٣).
  4. (٤) كما في حديث ابن عمر الذي أخرجه مسلم (٢٠٢٠).
  5. (٥) د: «بني آدم».
266

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي