مدارج السالكين

يكون سببه إلّا قربةً وطاعةً. فمستخرِجه الأمر، ومصروفه الأمر. والشّيطانيُّ بخلافه.

ومن الفرقان أيضًا: أنّ١ الوارد الرّحمانيّ لا يتناقض ولا يتفاوت ولا يختلف٢، بل يُصدِّق بعضه بعضًا، والشّيطانيّ بخلافه يُكذِّب بعضه بعضًا.

فصل

قال٣: (الدّرجة الثّالثة: الإحسان في الوقت. وهو أن لا تُزايل المشاهدة أبدًا٤، ولا تَخلِط بهمّتك أحدًا، وتجعل هجرتك إلى الحقِّ سَرْمدًا).

أي لا تفارق حال الشُّهود. وهذا إنّما يقدر عليه أهل التمكين الذين ظَفِروا بنفوسهم، وقطعوا المسافاتِ التي بين النّفس وبين القلب، والمسافاتِ التي بين القلب وبين الله، بمجاهدة القُطَّاع التي على تلك المسافات.

قوله: (وأن لا تَخلِط بهمّتك أحدًا).

يعني: أن تُعلِّق همّتك بالحقِّ وحده، ولا تُعلِّق بأحدٍ غيره، فإنّ ذلك شركٌ في طريق الصّادقين.

وقوله: «وأن تجعل هجرتك إلى الحقِّ سَرمدًا».

  1. (١) «أن» ليست في ش، د.
  2. (٢) ل: «يتخلف».
  3. (٣) «المنازل» (ص ٦١).
  4. (٤) «أبدا» ليست في ش، د.
268

يعني: أنّ كلّ متوجِّهٍ إلى الله بالصِّدق والإخلاص فإنّه من المهاجرين إليه، فلا ينبغي أن يتخلَّف عن هذه الهجرة، بل يصحبها سرمدًا حتّى يلحَقَ بالله.

فما هي إلّا ساعةٌ ثمّ تنقضيويَحمَدُ غِبَّ السَّيرِ مَن هو سائرُ١

ولله على كلِّ قلبٍ هجرتان٢، وهما فرضٌ لازمٌ له على الأنفاس:

هجرةٌ إلى إلهه بالتّوحيد والإخلاص، والإنابة والحبِّ، والخوف والرّجاء، والعبوديّة.

وهجرةٌ إلى رسوله بالتّحكيم له، والتّسليم والتّفويض والانقياد لحكمه، وتلقِّي أحكام الظّاهر والباطن من مشكاته. فيكون تقيُّده٣ به أعظمَ من تقيُّدِ الرَّكْب بالدّليل الماهر في ظُلَم اللّيل ومتاهاتِ الطّريق.

فما لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فلْيَحْثُ على رأسه الرّماد، ولْيراجعِ الإيمانَ من أصله، فيرجع وراءه يقتبس نورًا، قبلَ أن يُحال بينه وبينه ويُقال له ذلك على الصِّراط من وراء السُّور. والله المستعان.

  1. (١) يبدو أن البيت للمؤلف، ويتصرف في الشطر الثاني حسب السياق والموضوع، فيأتي به على أوجه مختلفة، انظر: «بدائع الفوائد» (٢/ ٦٧٢)، و«الداء والدواء» (ص ٤٥٤)، و«روضة المحبين» (ص ٩)، و«زاد المعاد» (٣/ ٩١)، و«مدارج السالكين» (٣/ ٨، ٣٢٩).
  2. (٢) كرَّر المؤلف هذا المعنى في مواضع من كتبه، انظر: «زاد المعاد» (٣/ ١٣ - ١٤)، و«الرسالة التبوكية» (ص ١٦ - ٢٧)، و«الكافية الشافية» (الأبيات ٢٢١ - ٢٣٣)، و«طريق الهجرتين» (١/ ٩).
  3. (٣) ل: «تعبده»، و«تعبُّد» فيما يأتي.
269

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي